فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 49

والعموم أقوى من دليل الخطاب. وهو نص في موضع الخلاف مع أنه خرج مسلم في حديث ابن عباس زيادة وهو أنه قال عليه الصلاة والسلام:"والبكر يستأذنها أبوها".

وأما الثيب الغير البالغ، فإن مالكًا وأبا حنيفة قالا: يجبرها الأب على النكاح. وقال الشافعي: لا يجبرها. وقال المتأخرون: إن في المذهب (أي المذهب المالكي) ثلاثة أقوال: قول إن الأب يجبرها ما لم تبلغ بعد الطلاق، وهو قول أشهب. وقول إنه يجبرها وإن بلغت، وهو قول سحنون. وقول إنه لا يجبرها وإن لم تبلغ، وهو قول أبي تمام. والذي حكيناه عن مالك هو الذي حكاه أهل مسائل الخلاف كابن القصار وغيره عنه.

وسبب اختلافهم معارضة دليل الخطاب للعموم، وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام:"تُسْتَامَرُ اليَتيمة في نفسها ولا تُنكحُ اليَتيمةُ إلاَّ بإذنها"يفهم منه أن ذات الأب لا تستأمر إلا ما أجمع عليه الجمهور من استئمار الثيب البالغ، وعموم قوله عليه الصلاة والسلام"الثيب أحق بنفسها من وليها، يتناول البالغ وغير البالغ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تُنْكحُ الأيمُ حتَّى تُستَامرُ ولا تُنكحُ حتى تُستَأذَن"يدل بعمومه على ما قاله الشافعي. ولاختلافهم في هاتين المسألتين سبب آخر، وهو استنباط القياس من موضع الإجماع، وذلك أنهم لما أجمعوا على أن الأب يجبر البكر غير البالغ، وأنه لا يجبر الثيب البالغ إلا خلافا شاذا فيهما جميعا كما قلنا اختلفوا في موجب الإجبار هل هو البكارة أو الصغر؟ فمن قال الصغر قال: لا تجبر البكر البالغ، ومن قال البكارة قال: تجبر البكر البالغ ولا تجبر الثيب الصغيرة؛ ومن قال كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد قال: تجبر البكر البالغ والثيب الغير البالغ، والتعليل الأول تعليل أبي حنيفة، والثاني تعليل الشافعي، والثالث تعليل مالك، والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة، واختلفوا في الثيوبة التي ترفع الإجبار وتوجب النطق بالرضا أو الرد، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها الثيوبة التي تكون بنكاح صحيح أو شبهة نكاح أو ملك، وأنها لا تكون بزنى ولا بغصب، وقال الشافعي: كل ثيوبة ترفع الإجبار."

وسبب اختلافهم هل يتعلق الحكم بقوله عليه الصلاة والسلام: (الثيب أحق بنفسها من وليها) بالثيوبة الشرعية أم بالثيوبة اللغوية؟ واتفقوا على أن الأب يجبر ابنه الصغير على النكاح، وكذلك ابنته الصغيرة البكر، ولا يستأمرها لما ثبت (أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها بنت ست أو سبع وبنى بها بنت تسع بإنكاح أبي بكر أبيها رضي الله عنه) ، إلا ما روي من الخلاف عن ابن شبرمة، اهـ منه بلفظه [1] .

وهو كلام كافٍ في بيان ما اتفق عليه الفقهاء وما اختلفوا فيه فيمن يمارس عليه الإجبار وما هي علته.

وقد جرت عادة الفقهاء أنهم عندما يتناولون هذا الموضوع موضوع الإجبار يتسع مجالهم ليشمل الذكور والإناث الصغار والكبار والثيبات والأبكار والمجانين الخ.

لكن الذي يهمنا نحن في الواقع الذي نعيش فيه هو قضية إجبار الأولياء بناتهم على الزواج بمن لا يرضين، حيث لا تزال التقاليد عند الكثير من الأولياء تكاد تسلب الفتاة حريتها في اختيار الزوج، والأغلب أن يُفرض من يريده الأب أو ترضاه الأم، ولا يقبل من الفتاة اعتراضها على إرادة أبيها وأمها.

وكثيرًا ما فشل هذا الزواج وجر وراءه مآسي كثيرة رأينا منها مئات الحالات حيث يرغم الأهل الفتاة بطريقة أو بأخرى على أن تتزوج بابن عمها أو عمتها أو خالها أو خالتها من أجل الحصول

(1) ـ انظر الهداية في تخريج أحاديث البداية لأحمد بن الصديق الغماري المجلد 6 - ص 362 ـ 367.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت