فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ قُلْتُ لِجَابِرٍ كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَمِئَةٍ تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ وَقَالَ حُصَيْنٌ وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ جَابِرٍ [1] . وبوب له البخاري باب"شرب البركة والماء المبارك".
قال المهلب: سمي الماء بركة لأن الشيء إذا كان مباركًا فيه يُسمى بركة.
وقال ابن حجر: والمراد أنه جعل يستكثر من شربه من ذلك الماء لأجل البركة.
قال ابن بطال: يؤخذ منه أنه لا سرف ولا شره في الطعام أو الشراب الذي تظهر فيه البركة بالمعجزة، بل يستحب الاستكثار منه، وقال ابن المنير: في ترجمة البخاري إشارة إلى أنه يغتفر في الشرب منه الإكثار دون المعتاد الذي ورد باستحباب جعل الثلث له، ولئلا يظن أن الشرب من غير عطش ممنوع، فإن فعل جابر ما ذكر دالٌ على أن الحاجة إلى البركة أكثر من الحاجة إلى الري والظاهر إطلاع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، ولو كان ممنوعًا لنهاه [2] .
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث المقداد، أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي قَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنْ الْجَهْدِ فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا فَانْطَلَقْنَاَ إِلَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ فَإِذَا ثَلاَثَةُ أَعْنُزٍ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا قَالَ فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - نَصِيبَهُ قَالَ فَيَجِيءُ مِنْ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمًا لاَ يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ، قَالَ ثُمَّ يَاتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَاتِي شَرَابَهُ فَيَشْرَبُهُ، فَأَتَانِي الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبِي فَقَالَ مُحَمَّدٌ يَاتِي الأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ، وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ، مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الْجُرْعَةِ، فَأَشْرَبْها. قَاَل: مَاَ زَاَلَ يُزيِّينُ لي حَتْىَ شَربْتُهَا، فَلَمَّا وَغَلَتْ فِي بَطْنِي، وَعَرَفَ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيلٌ، قَالَ: نَدَّمَنِي، فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا صَنَعْتَ، شَرِبْتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ، فَيَجِيءُ وَلاَ يَراه، فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِكُ، فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ؟! قَاَلَ: وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ مِنْ صُوفٍ كُلْمَا رُفِعَتْ [3] عَلَى رَاسِي خَرَجَتْ قَدَمَاي، وإِذَا أُرْسِلَتْ عَلَى قَدَمَيَّ، خَرَجَ رَاسِي، وَجَعَلَ لاَ يَجِيءُ لي نَوْمٌ. قَاَلَ: وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا، فَجَاءَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَرَفَعَ رَاسَهُ إِلَى السَّمَاءِ قَاَلَ: قُلْتُ: الآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِكُ، فَقَالَ {اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ سْقَانِي} ، قَالَ: فَعَمَدْتُ إِلَى الشَّمْلَةِ، فَشَدَدْتُهَا عَلَيَّ، فَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى الأَعْنُزِ أَجُسُّهُنَّ أَيُّهُنَ أَسْمَنُ، فَأَذْبَحُ
(1) ص 1108 برقم 5639، وصحيح مسلم ص 775 برقم 1856 مختصرًا باختلاف.
(2) فتح الباري (10/ 102) .
(3) في (م) و (ظ 2) و (ق) : رفعتها.