فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 55

أن الله سبحانه وتعالى حين يضيف كلمة"العباد"لذاته تكون في موضع التشريف، ويخص بها المؤمنين، كقوله تعالى (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) [الفرقان:63] ، و (قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم) [الزمر: 53] ، و (سبحان الذي أسرى بعبده) [الإسراء:1] . وأعظم منزلة للنبي صلى الله عليه وسلم أنه (عبد الله ورسوله) ، وفي التحيات نقول:"السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين".

في إحصائية لورود كلمة (بعثنا) في كتاب الله الكريم نجد ما يلي: إن كلمة (بعثنا) استعملت سبع مرات؛ خمسا منها للأنبياء عليهم السلام، وواحدة لنقباء بني إسرائيل (وبعثنا منهم إثني عشر نقيبا) [المائدة: 12] ، وواحدة لمعاقبة بني إسرائيل (بعثنا عليكم) .

إذن (بعث) ومشتقاتها، نلاحظ أن المادة لا تستعمل في القرآن إلا في بعث الآخرة وما يشابهه. وبعث الأنبياء وما يشابهه، ونلاحظ أن الفعل الماضي المجرد (بعث) استعمل سبع مرات، خمسا منها للأنبياء عليهم السلام، وواحدة لبعث طالوت، وواحدة لبعث الغراب.

إذن كلمة (بعثنا) استعملت للأنبياء وما يشبههم، ولم تستعمل للكفار أو غير المؤمنين، أي أن الذين سيبعثون مضافون إلى إسم الجلالة سبحانه وتعالى، وسيكونون من المؤمنين وليسوا من الكفار.

وفي احصائية لكلمة (عبادا لنا) : نجد أن كلمة (عبد) في القرآن عامة للمسلمين وغيرهم، بل لا بد من ملاحظة عبد وعباد المضافة إلى ضمير المتكلم، حيث نجد أن كلمة (عبدنا) استعملت خمس مرات للأنبياء عليهم السلام فقط، وكلمة (عبادنا) استعملت إثنتي عشرة مرة للأنبياء عليهم السلام والمؤمنين فقط، وإن صيغة (عبادا لنا) لم تستعمل إلا في هذا الوعد، فاختصاص الصيغ المتشابهة بالأنبياء والمؤمنين وزيادة هذه الصيغة بلام الإضافة والنسبة إلى الله تعالى (لنا) يجعل الصيغة دليلا أو قرينة قوية على أن المبعوثين من المؤمنين فقط، ومن نوعية خاصة منهم، ومما يعطي هذه القرينة المتقدمة شيئا من القوة أيضا أن الله سبحانه وتعالى استعمل مادة البعث في الوعيد لبني إسرائيل، ولكن جعل الصيغة في وعد التسلط عليهم (ليبعثن عليهم من يسومهم سوء العذاب) وعبر عن المبعوثين بـ (من) ، وقد عرفنا أن هؤلاء المبعوثين هم الوثنيون والمجوس والنصارى والمسلمون، بينما جعل الصيغة هنا (بعثنا) وهي صيغة استعملها للأنبياء وللأولياء فقط عبر عن المبعوثين بـ (عبادا لنا) ، وهو تعبير فريد لم يستعمل ما يشبهه في الإضافة إليه تعالى إلا في الأنبياء والمؤمنين، نعم ورد استعمال (عبادي) لغير المؤمنين أيضا ولكنه استعمال يجيء دائما في مقابل دعوى العبودية لغيره تعالى. إذن: إن الذين سيتولون تدمير يهود هم من المؤمنين، لما مر من الشرح.

وهذا التشريف والتكريم الإيماني لا ينطبق على البابليين ولا على الرومان لأنهم جميعا من الوثنيين، وينطبق هذا الوصف على رسول الله وأصحابه الذين جاءوا إلى المدينة وليهود فيها نفوذ سياسي واقتصادي، وكان من أول أعماله صلى الله عليه وسلم في المدينة إبرام المعاهدة السياسية بينه وبين يهود والتي نصت على أن يهود أمة، وأن المسلمين أمة. فلما غدر يهود ونقضوا العهد كعادتهم ودأبهم سلط الله عليهم المسلمين فجاسوا خلال الديار اليهودية وتغلغلوا فيها وأزالوهم عن المدينة وخيبر وتيماء، فزال سلطانهم، وتم تدمير فسادهم من خلال معارك بني قريظة وبني النضير ومعارك خيبر الشهيرة، وتأتي سورة الحشر لتؤكد هذا المعنى في قوله تعالى في وصف معارك المسلمين مع يهود في المدينة (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فأعتبروا يا أولي الأبصار) [الحشر: 2] . و"الحشر"هنا هو إخراج يهود من الحجاز تمهيدا لحشرهم في ديار الشام للإفساد الثاني والعلو الكبير - كما هو الآن - ثم التدمير.

وقفة عند بعض معاني الآية

(أولي بأس شديد) : أي أولي مكروه شديد ينزلونه بالعدو، والبأس والبأساء بمعنى المكروه والشدة، ويستعملان في النكاية بالعدو كما في مفردات الراغب الأصفهاني، بينما (أولو قوة) تعني أولي وسائل حربية وجنود، فالقوة في مجال الحرب تعني المعاون من خارج النفس كما ذكر الأصفهاني أيضا، ولذلك وردا في القرآن معطوفين في قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت