تعالى (قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد) [النمل: 33] ، أي نحن أولو سلاح وجنود، وأولو مكروه ننزله بالأعداء. إن وصف الله سبحانه وتعالى لهؤلاء المبعوثين على يهود بأولي بأس شديد دون أولي قوة، له بعدان:
الأول: إن الغرض الأساسي في وعد يهود بالعقوبة هو بيان أن هؤلاء المبعوثين، سينزلون المكروه الشديد بهم، وهو يتناسب مع ذكر البأس.
الثاني: إن عدم ذكر قوة هؤلاء المبعوثين والتي تعني وسائل حربهم وكثرة جنودهم أمر مقصود، لأنهم قد لا يملكون هذه الكثرة ولا يكونون أولي قوة كثيرة، ومع ذلك فهم أولو بأس شديد، وهذا هو حال المسلمين عندما قضوا على إفساد يهود الأول في صدر الإسلام، وهو حالهم عندما سيقضون عليهم، ويتبرون علوهم الكبير بإذن الله في المرة الثانية.
(فجاسوا خلال الديار) : استعمل القرآن الكريم وللمرة الوحيدة هذا التعبير الذي هو في اللغة العربية كالمصطلح العسكري لدخول المقاتلين وهم يتتبعون بقايا مقاتلي العدو، أي سيترددون بين بيوت يهود لتتبع مقاتليهم وهو أدق تعبير من القضاء على القوة القتالية ليهود، وهو بالضبط، ما فعله المسلمون عندما بعثهم الله على يهود في صدر الإسلام.
(وكان وعدا مفعولا) : لم يستعمل القرآن الكريم هذا التعبير إلا في هذا الموضع، واستعمل تعبيرين قريبين منه، أولهما في نفس سورة الإسراء وبعد قوله لبني إسرائيل (فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا) [الإسراء: 104] ، وقال تعالى (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا) [الإسراء: 107 - 108] ، وثانيهما في خطابه تعالى لمشركي قريش بعد تشبههم بفرعون وذكر ما حل به (فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا * السماء منفطر به كان وعده مفعولا) [المزمل:17 - 18] .
أما قوله تعالى (سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا) فهو حكاية لقول العلماء في حق القرآن. فيبقى إستعمالان من قبل الله تعالى لـ"الوعد المفعول"، أحدهما إنذار لفراعنة قريش بوعد اليوم الآخر الذي لا يطاق، والثاني إنذار ليهود بيوم المسلمين عليهم الذي لا يطاق.
الفرق بين معنيين
الفرق بين فعل (فجاسوا خلال الديار) الذي يوحي بسرعة هزيمة يهود وسهولة القضاء عليهم وبين أفعال الثانية (ليسوءوا، وليدخلوا، وليتبروا) التي توحي بضراوة المقاومة وترسم للمواجهة صورة عنيفة، لا يُهدّئها دخول المسجد في وسطها، بل يأخذ منها عنف التحدي وفرحة الإنتصار.
تأمل في الإفسادين والعلو الوارد في الآية ترى أن الله سبحانه وتعالى تكلم عن إفسادين لبني إسرائيل، وعندما تكلم عن العلو، لم يقل: ولتعلن علوين كبيرين، وإنما قال (ولتعلن علوا كبيرا) . إذن سيكون العلو الكبير مرة واحدة مصاحبا لأحد الإفسادين، والمتأمل للإفساد الأول يجد أنهم كانوا قبائل ليس لها سيطرة على من حولها، ولذلك لم يتمكنوا من العلو، وأما المرة الثانية والتي يعيشونها الآن، فإنهم قد علو علوا كبيرا، وسيطروا على من حولهم من المسلمين، بدعم من دول الكفر مجتمعة، وسيطروا على الأرض المقدسة وقتلوا المسلمين شيوخا ونساء وأطفالا، فمن معاني العلو قمة الفساد كما قال تعالى في حق جبروت فرعون (إن فرعون علا في الأرض) [القصص: 4] . إذن العلو الكبير لم ينطبق تاريخيا إلا على علو يهود في هذه المرة التي تأتي مع الإفساد الثاني في الأرض.
الإفساد الثاني:
التدمير الأول كان إخراج يهود من الحجاز. فخرج قسم منهم إلى (أذرعات) من أرض الشام حتى تبدأ المرة الثانية من إفسادهم وعلوهم، يقول الله تعالى (وكان وعدا مفعولا) [الإسراء:5] ، يعني أنه تم تدمير الإفساد الأول في عهد النبي، والوحي ينزل، وأتمه أصحابه من بعده. وتبدأ الآيات بعد ذلك تتحدث عن المرة الثانية في الإفساد يصاحبه