العلو الكبير، فتخبر الآيات أن الله سبحانه وتعالى سيجعل ليهود الكرة عليهم، على من؟ على الذين جاسوا خلال الديار أول مرة، (والكرة) الدولة والسلطة. وحين أراد الله ليهود أن يكروا استعمل كلمة (ثم) . وثم: كما هو معروف، معناها العطف مع التراخي والمهلة. فهل كر يهود في التاريخ على البابليين؟، وكانت لهم دولة وسلطة عليهم؟ لم يحدث ذلك في التاريخ، ولن يحدث الآن ولا في المستقبل، حيث إن البابليين قد إنقرضوا من الدنيا كأمة، وليس لهم كيان يعرفون فيه، أو دولة يعيشون فيها. وحاشا لله أن لا يصدق القرآن أو يكون خبره غير محقق. إذن لا بد أن تكون الكرة على أبناء من جاسوا خلال الديار، وهم المسلمون أو العرب المسلمون، فقد كر يهود على بلاد الشام وفلسطين منها. وهذا هو الذي حدث ونعيشه الآن، ويعاني منه المسلمون كل المسلمين، وما ينطبق على البابليين ينطبق على الآشوريين والكلدانيين وغيرهم من الدول التي عاقبت يهود عبر التاريخ.
واقرأوا معي بقية الآيات التي تمضي فتصف الواقع الذي نعيشه وتعيشه دولة يهود، إذ بعد أن جعل الله الكرة ليهود علينا، يقول الله تعالى ليهود (وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) [الإسراء: 6] . وهنا نسأل مرة أخرى: هل أمد الله يهود بأموال وبنين غير هذه المرة؟ لم نعرف أن ذلك قد حدث في التاريخ، ويهود منذ أن غضب الله عليهم وهم في بلاء متصل وعذاب مستمر، فقبل الإسلام كان عذاب البابليين لهم والرومان. وبعد الإسلام أخرجهم المسلمون من الجزيرة ثم بدأت أوروبا تعذبهم في إسبانيا وفي بقية أقطارها حتى جاء المسلمون فأنقذوهم من الإسبان، واستمر العذاب لهم حتى هذا القرن. ولقد عاش يهود في ظل دولة الإسلام عبر القرون آمنين مطمئنين، تحفظ لهم دماءهم وأموالهم، ولكنهم لم يحفظوا الجميل.
وحتى نرى مبلغ صدق الآية، ونرى إعجازها بأعيننا نجد دولة يهود اليوم تعيش على البنين الذين يأتونها من أطراف الأرض ليمدوها بالجند، وفي هذه الفترة من روسيا بالذات، وترى الأموال من دول الغرب تأتيها بمساعدات مذهلة حتى تستمر في عدوانها وطغيانها وجبروتها. ثم يقول الله سبحانه وتعالى (وجعلناكم أكثر نفيرا) ، ولذلك فإن أكبر قوة عسكرية في الأرض تساند دولة يهود في حال نفرتها وحربها (أمريكا والحلف الأطلسي) .
إذن هذا هو العلو، فما بال الإفساد؟ وحتى يتحقق الإفساد، فنرى يهود في دولتهم يرتكبون أفظع الجرائم بحيث فاقوا كل أنواع العذاب التي عانوا منها في زعمهم (من هتلر وغيره) ، ولذلك يحذرهم الله فيقول لهم (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) [الإسراء: 7] . وهذا الإحسان دنيوي يجازون عليه في الدنيا، كما جاء في قوله تعالى (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق) [البقرة: 200] . ويهود قد أساءوا فقتلوا النفس الإنسانية وعذبوها ويتموا الأطفال، وسجنوا النساء، وهدموا البيوت، واغتصبوا الأرض وأقاموا المستعمرات، وحرقوا الأقصى في (21 / أيلول / 1969 م) ، والأقصى عند الله عظيم! ودنسوا مسجد الخليل عليه السلام، والخليل عند الله هو الخليل. وأرتكبوا جريمة الجرائم في مسجد الخليل يوم أن عمدوا إلى كتاب الله فمزقوه وداسوه بالأقدام، وقتلوا المصلين وهم ساجدون بين يدي الله ترتفع تسبيحاتهم إلى الله في فجر يوم الجمعة الخامس عشر من شهر رمضان المبارك 1414 هـ، فقتلهم كان في فجر يوم مبارك في شهر مبارك في مسجد من أعظم المساجد عند المسلمين. في حجر أبي الأنبياء والمرسلين الذي أتخذه الله خليلا (واتخذ الله إبراهيم خليلا) [النساء: 125] .
ولذلك فإن الله سيسرع في عقوبتهم لأن الله يمهل الظالم كما جاء في الحديث حتى إذا أخذه لم يفلته. وقد أخذوا لبنان غدرا وخيانة، وارتكبوا فيه ما لم يرتكبه أحد من البشر قبلهم هم و (الموارنة) الذين هم أشد الناس عداوة للمؤمنين، والموارنة الذين يرتكبون جرائمهم باسم الصليب -وهذا احتقار المسيح عليه السلام- والمسيح منهم براء. ولقد أعلنت في خطابي أمام جماهير المسلمين في عمان في يوم عيد الأضحى المبارك (1402 هـ / 1982 م) أن الموارنة لم يعودوا أهل ذمة في ديار المسلمين، وأنهم نقضوا العهد الذي أعطاه عمر -رضي الله عنه- لنصارى بلاد الشام في (العهدة العمرية) ، وبذلك تسبى نساؤهم وذراريهم كما فعلوا في المسلمات وأطفال المسلمين في مخيمي صبرا وشاتيلا.
وهنا تأتي عقوبة الله لهم على ما أقترفوه من الإثم والجرائم، بتفسير من الآيات أن دولتهم لن يطول إفسادها ولا علوها، فيقول الله (فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا) [الإسراء: 7] . وهنا حين يخبر الله عن زوال دولتهم، استعمل حرف (الفاء) للعطف، ولم يستعمل (ثم) . والفاء للعطف مع التعقيب. والتعقيب لكل شيء بحسبه وما يناسبه، وهو يدل على السرعة في حصول المقصود (