جعل عدة الحامل وضْع حَمْلِهَا، ورفع هذا التعارض بجعل الحُكْم الأول (العدة بالأقراء) في غَيْر الحامل، وجعل الحُكْم الثاني خاصًّا بالحامل، وهو جمْع بَيْن النصّيْن المتعارضيْن.
وقد يُرفع التعارض بالنسخ - عندما لا يمكن الجمع - مع معرفة المتأخر والمتقدم منهما؛ فيكون المتأخر ناسخًا لِلمتقدم: كما في قوله تعالى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا} (1) ؛ فإنّه معارَض بقوله تعالى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج} (2) ؛ فالحُكْمان في عدة المتوفى عنها زوجها: الأول جعلها أربعة أشهر وعشرًا، والثاني جعلها حولًا كاملًا، ولا يمكن الجمع بَيْنَهُمَا، وكان الأول متأخرًا، فلِذَا كان ناسخًا لِلحُكْم الثاني، لِتصبح عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا (3) .
وكذلك الحال إذا كان الدليلان المتعارضان أحدهما قطعيّ والآخَر ظنِّيّ لا ترجيح بَيْنَهُمَا؛ لأنّ القطعي هو الأقوى، فيقدَّم على الظني.
وإذا أخرجنا القطْعيّيْن والقطعي مع الظني مِن وقوع الترجيح فيهما ... فلَمْ يَبْقَ إلا المظنون محلاًّ لِلترجيح، وهو متحقق في سُنَّة الآحاد والقياس.
وفي ذلك يقول ابن إمام الكاملية رحمه الله تعالى:"فالكتاب والإجماع لا يأتي فيهما الترجيح .."
أمّا الكتاب: فلأنّه لا ترجيح لأحد الآيتيْن على الأخرى عند تعارُضهما إلا بأنْ تكون إحداهما مخصِّصةً لِلأخرى أو ناسخة.
وأمّا الإجماع: فلأنّه لا تعارُض فيه كما مر.
(1) سورة البقرة مِن الآية 234
(2) سورة البقرة مِن الآية 240
(3) يُرَاجَع: أحكام القرآن لِلجصاص 5/ 354 وتفسير القرآن العظيم 1/ 271، 287 4/ 383