المطلب الثالث
الترجيح بالعمل
إنّ الترجيح بَيْن خبريْن متعارضيْن بالعمل له صور عديدة، ... يمكن حصرها فيما يلي:
الصورة الأولى: الترجيح بعمل أهل المدينة.
إذا تعارض خبران أحدهما وافق عمل أهل المدينة والثاني ليس كذلك: فهل يرجح الخبر الذي وافق عمل أهل المدينة على غيره أم لا؟
خلاف بَيْن الأصوليين في ذلك على مذْهبيْن:
المذهب الأول: ترجيح ما وافق عمل أهل المدينة.
وهو ما عليه المالكية والشافعية وبعض الحنابلة، واختاره الغزالي والباجي وابن السمعاني والآمدي وابن جزي وابن الحاجب والصفي الهندي والزركشي وابن السبكي والقرافي والفتوحي رحمهم الله تعالى (1) .
واحتجّوا لِذلك: بأنّ المدينة دار الهجرة ومهبط الوحي، وأهلها يروون أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسُنَّته التي مات عليها، ولذا فَهُمْ أَخْبَر بمواقع الوحي والتأويل مِن غيرهم، ولذا كان عملهم - وإنْ لم يكن حُجَّةً كما يرى البعض - مقويًّا ومرجِّحًا لِلخبر المعارَض بخبر آخَر ليس موافقًا لِعمل أهل المدينة (2) .
(1) يُرَاجَع: المستصفى /377 وإحكام الفصول /742 وقواطع الأدلة 3/ 35، 36 والإحكام لِلآمدي 4/ 274 وتقريب الوصول /478 ومختصر المنتهى مع شرح العضد 2/ 316 وبيان المختصر 3/ 395 والفائق 4/ 450 والبحر المحيط 6/ 179 وجمع الجوامع 2/ 370 وشرح تنقيح الفصول /423 وشرح الكوكب المنير 4/ 699
(2) يُرَاجَع: المستصفى /377 وقواطع الأدلة 3/ 35، 36 والإحكام لِلآمدي 4/ 274 وشرح الكوكب المنير 4/ 700
المذهب الثاني: عدم ترجيح ما وافق عمل أهل المدينة.
وهو ما عليه الحنفية وبعض الحنابلة، واختاره أبو يعلى وابن عقيل والطوفي رحمهم الله تعالى (1) .