واحتجّوا لِذلك: بأنّ ترجيح عمل أهل المدينة إمّا أنْ يكون راجعًا إلى نفس البلد وعينه، وإمّا أنْ يكون راجعًا إلى أهله وهم الصحابة - رضي الله عنهم - ..
فإنْ كان راجعًا إلى البلد وعينه: فهو مردود؛ لأنّ المكان لا اعتبار له.
ولذا فلم يَبْقَ إلا أنّه راجع إلى أهله وهم الصحابة - رضي الله عنهم -، وحينئذٍ كان الخبر الذي عملت به الصحابة - رضي الله عنهم - حيث كانوا مِن البلاد مقدَّمًا عند كُلّ عالِم بالحديث بلا فَرْق بَيْن مَن كان مِن أهل المدينة أو أهل الكوفة ونَحْوها ولو رجَّحْنَا ما عليه أهل المدينة على غيرها لَكان ترجيحًا بلا مرجِّح (2) .
مناقشة هذا الدليل:
ويمكن مناقشة هذا الدليل مِن وجْهيْن:
الوجه الأول: أنّا لا نسلِّم بعدم اعتبار البلد وعينه؛ لأنّ البلد الذي عايش الوحي ومَن نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - وسمع قوله وفعله - صلى الله عليه وسلم - ليس كغيره مِن البلدان؛ لأنّ أهله هم أعرف بالسُّنَّة وآخِر ما مات عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه الثاني: أنّا لا ننكر أنّ الصحابة - رضي الله عنهم - الذين تفرَّقوا في البلاد حملوا سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكنّا لا نطلق على البلاد التي حلّوا بها"عمل أهل الكوفة"- كما ذهب الحنفية - لأنّ الصحابة بها قلة، وليس كما هو الحال بأهل المدينة التي جمعت كثرة الصحابة - رضي الله عنهم -، وهذه واحدة تقوِّي عمل أهل المدينة على غيرها.
(1) يُرَاجَع: شرح الكوكب المنير 4/ 700 والعدة 3/ 1052 والواضح 5/ 101 والمسودة /113 والبلبل /189
(2) يُرَاجَع الواضح 5/ 101، 102
والراجح عندي: ما عليه أصحاب المذهب الأول القائلون بترجيح الخبر الذي وافق عمل أهل المدينة؛ لأنّ أهلها أعرف الناس بالسُّنَّة ومواقع الوحي والتأويل مِن غيرهم.