المطلب الخامس
الترجيح بذكاء الراوي وضبطه (1)
لقد تفاوت الأصوليون في حصر الترجيحات العائدة إلى ذكاء الراوي وضبطه ..
وقد حصرتُ لهم في ذلك وجوهًا عدّةً، أذكرها فيما يلي:
الوجه الأول: الترجيح بحفظ الراوي.
والترجيح بحفظ الراوي له صور أربع:
الصورة الأولى: ترجيح رواية مَن حفظ لفظ الحديث.
إذا تعارض خبران وكان راوي أحدهما حافظًا لِلفظ الحديث والآخَر معتمدًا على المكتوب رجّحْنا الأول؛ لأنّ الحافظ أَوْلَى؛ لأنّه أبعد عن الشبهة، إضافةً إلى ما يعتري الخط مِن نقص وتغيير.
وهذه الصورة محلّ نظر عند بعض المحدّثين الذين يقدّمون رواية مَن كان يكتب.
ومما يؤيد ذلك: ما رواه البخاري - رحمه الله تعالى - في كتابه ... في رفع اليديْن: روى حديث سفيان الثوري عن عاصم بن كليب (2) عن
(1) الضبط: تيقُّظ الراوي حين تحمُّله وفهمه لِمَا سمع وحفظه لِذلك مِن وقْت التحمل إلى وقْت الأداء ..
أصول الحديث /239
(2) عاصم بن كليب: هو عاصم بن كليب الجرمي الكوفي رحمه الله تعالى، روى عن أبيه كليب ابن شهاب وأبي بردة وجماعة، وروى عنه شعبة وعَلِيّ بن عاصم وطائفة، كان مِن العبّاد الأولياء، لكنّه مرجئ، وثَّقه ابن معين وغَيْره، وقال ابن المديني: لا يُحْتَجّ بما انفرد به ..
تُوُفِّي رحمه الله تعالى سَنَة 137 هـ.
ميزان الاعتدال 2/ 356