المطلب الرابع
ترجيحات الأخبار عند الأصوليين
بَعْد أنْ وقفنا على محلّ الترجيح وتبيَّن لنا أنّ الجمهور منعوا وقوع الترجيح في القطعيات، وكذا بَيْن القطعي والظني؛ لأنّه لا تعارُض واقع في الحالتيْن، ولِذَا فإنّهم حصروا الترجيح في المظنون ..
وفي ذلك يقول إمام الحرمين رحمه الله تعالى:"فإذا ثبت أصْل الترجيح فلا سبيل إلى استعماله في مسالك القطع، فإذا أجرى المتكلم في مسلك قطعيّ صيغةَ ترجيح أشعرَت بذهوله أو غباوته .."
وما يفضي إلى القطع لا ترجيح فيه؛ فإنّه ليس بَعْد العلم بيان ... ولا ترجيح، وإنما الترجيحات تغليبات لِطُرُق الظنون، ولا معنى لِجريانها في القطعيات؛ فإنّ المرجَّح أغلب في الترجيح وهو مظنون، والمظنون غَيْر جارٍ في مسلك القطع، فكيف يجري في القطعيات ترجيح ما ... لا يجري أصْله فيها؟!" (1) ا. هـ."
وحيث إنّ القرآن الكريم والسُّنَّة المتواترة كلاهما مقطوع فإنّ الترجيح لا يجري فيهما، وإن كان التعارض - في الظاهر - واقعًا وموجودًا في نصوصهما لكنّه مرفوع: إمّا بالجمع بَيْنَهُمَا، نَحْو: عدَّة المطلقة الحائل المحددة بثلاثة قروء في قوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوء} (2) فإنّه معارَض بقوله تعالى {وَأُولَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ} (3) ؛ فقد
(1) البرهان 2/ 1143، 1144
(2) سورة البقرة مِن الآية 228
(3) سورة الطلاق مِن الآية 4