فأخبروا بأنه عالم بلغتهم وأنه ليس أحد منهم أعرف بها من هذا المدعي للرسالة، ولا أسرع مراجعة، ولا أصح نطقا، لكان ذلك معجزا ودليلا على صدقه، لأن فيه صفات الإعجاز التي اشترطناها في كون المعجز معجزا، ومن هذا النوع من المعجز، أن نبينا_ عليه السلام_ نشأ مع قريش كنشأة الإنسان منا مع أخوته وبني عمه وأقاربه، ثم لم يفارقهم في سفر ولا حضر، بل كانوا معه إلى أن ادعى الرسالة، ولم يعرف قبل ذلك بقراءة كتاب، ولا دراسة سير ولا مداخلة أحد من أهل الملل [1] حتى بعث رسول الله_ صلى الله عليه وسلم فأخبر عن القرون الماضية، والأمم السالفة، بما لا يبلغ معرفته، وتعذر على الأخبار بمثله، إلا من أفنى عمره في دراسة ذلك وقراءته، ومجالسة العالمين به ومذاكرتهم به.
/ص 25/ فكان هذا من أعظم المعجزات، وأكبر الآيات البينات، لأن هذا ليس من فعل البشر، وهو خارق للعادة بعيد عن مستقر الطبيعة، واقترن به التحدي ودعوى الرسالة، ووجدت فيه سائر صفات المعجزه وكان من معجزاته وبدائع أياته_ صلى الله عليه وسلم_ وشرف وكرم. فهذا وجه تعلق المعجز، كونه صلى الله عليه وسلم أميا ولذلك قال (العنكبوت_ 48) فلم يكن_ صلى الله عليه وسلم_ أوحي إليه يتلو كتابا ولا يخطه بيمينه، ثم تلا بعد ذلك أفضل الكتب وهو القرآن، من غير تعليم [2]
(1) - الملل: -ج- ملة، وهي تفيد استمرار أهلها عليها، قال الجرجاني: الدين والملة، متحدان بالذات ومختلفان بالإعتبار، فإن الشريعة من حيث أنها تجمع تسمى مذهبا، وقيل الفرق بين الدين والملة والمذهب، أن الدين منسوب إلى الله تعالى، والملة منسوبة إلى الرسول، والمذهب منسوب إلى المجتهد (التعريفات ص: 56) .
(2) - أي من غير تعليم بشر، أما التعليم الألهي فهو ثابت، لقوله تعالى: ("الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ")
الرحمن_1 - 2).