لم يفارقهم جملة، ولا ترك مداخلتهم والتصرف معهم، لعرفوا بذلك جميع أحواله، ولعرفوا كونه أميا أو كاتبا أو قارئا معرفة ضرورة لا يجوز عليها التشكك ولا الإرتياب. وإذا عرفوا من حاله أنه أمي لا يميز حرفا واحدا من حروف الهجاء إلى أن ادعى النبوة، وبعد ذلك إلى يوم الحديبية، فلو قال لهم، أنكم قد عرفتم حالي كما عرفت أحوالكم، وأنه صدقني في دعوى الرسالة، أنكم قد علمتم أني أمي لم أتعلم كتابة ولا تناولتها قط، ولا عرفت شيئا منها، وأنا الآن آخذ هذا القلم وليمل من شاء منكم ما شاء، فإنه لا يخط بيدي القلم إلا ما يملى، أو أني الآن من أعلمكم بالخط والهجاء دون تعليم، وأدربكم يدا به وأجرأكم قلما، وأحسنكم خطا دون تعليم ولا تدريب، لكان ذلك معجزا ودليلا على صدقه، ولكان بمنزلة أن يثبت ولا علم له بالزنجية أو اليونانية، ثم يصبح من الغد ويدعي الرسالة ويقول: أية ذلك أنكم قد علمتم أني لم أر زنجيا قط، ولا تكلمت بلسانه، وأني الآن أعرف الناس بلغته، وأدربهم لسانا بمحاورته. /ص 24/ ثم وجد في الوقت عدد من الزنج لا يصح عليهم التواطؤ [1] ولا التشاعر.
(1) - التواطؤ: التوافق: