الصفحة 160 من 164

من عندها، ولذلك ترى من الناس من إذا أراد الله أن يغير سبب رزقهم فإنه يهيء نفوسهم للتوجه إلى العمل في ميدان آخر ليس سبيله الشهادة العليا مثلًا؛ وبسبب ذلك كله وغيره أقسم الله تبارك وتعالى؛ لأن القسم وهو من أقوى أنواع التأكيد - خاصة حين يكون من الأعلى أو ممن يملك - يناسب حالة كثير من الناس وهم منغمسون في غمرة الحياة لاهين أو شاردين عن حقيقة أن الرزق بيد الله وحده وأنه سبحانه هو الرزاق لا غيره، ورحم الله ذلك الأعرابي الذي بسط قضية الرزق في نفسه إيمانيا بفطرته النقيّة فأشرقت نفسه بحقيقة أن الله هو الرزاق، روى الأصمعي قصته بقوله: (أقبلت ذات مرة من مسجد البصرة إذ طلع أعرابيٌ جلفٌ جافٌ على قَعُودٍ له متقلدًا سيفَه، وبيده قوسُه، فدنا وسلم وقال: ممن الرجل؟ قلت من بني أصمع. قال: أنت الأصمعي؟ قلت: نعم. قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟ قلت: نعم. قال: فاتل علي منه شيئًا فقرأت ? ? ? ? ? إلى قوله ? ? ? ? ? [1] فقال: يا أصمعي حسبك، ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها، وقال: أعنِّي على توزيعها، ففرَّقْناها على من أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت الرَّحْل وولَّى نحو البادية وهو يقول: ? ? ? ? ? ? [2] ، فمقتُّ نفسي ولُمْتُها، ثم حججت مع الرشيد، فبينما أنا أطوف إذا أنا بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي وهو ناحلٌ مصفرٌ، فسلّم عليّ وأخذ بيدي وقال: اتل علي كلام الرحمن، وأجلسني من وراء المقام فقرأت ? ? ? حتى وصلت إلى قوله تعالى ? ? ? ? ? ? فقال الأعرابي: لقد وجدنا ما وعدنا الرحمن حقًا، وقال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم، يقول الله تبارك وتعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? [3] ، قال فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله مَنِ الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدِّقوه في قوله حتى ألجؤوه إلى اليمين؟ فقالها ثلاثا، وخرجت بها نفسه) [4] .

فقد عَمَرَ الإيمان قلب هذا الأعرابي فعبر بعفوية عما تجيشُ به فطرته الإيمانية تجاه قضية الرزق التي سقط في دائرة الشك فيها كثيرون اليوم صرعى الضلال الشيطاني ? ? ? ? [5] فقالوا على الله مالا يعلمون، وفرق كبير بين من عمرت فطرته بالإيمان - وإن لم يكن ذا حظ من علم أو مادة - وبين من انحرفت فطرته الإيمانية فلم تنفعه إمكانياته التي أتيحت له من علمٍ وسواه، وصدق الله القائل: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [6] .

قال لقمان لابنه وهو يوصيه فيما جاء خبره في القرآن الكريم: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [7] .

قال القرطبي في تفسير هذه الآية: (المعنى: وقال لقمان لابنه:"يابني"وهذا

(1) سورة الذاريات: (1 - 22) .

(2) سورة الذاريات: (22) .

(3) سورة الذاريات: (23) .

(4) تفسير القرطبي (17/ 42) .

(5) سورة البقرة: (268) .

(6) سورة الشوري: (52) .

(7) سورة لقمان: (16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت