فهرس الكتاب
[1] ومشكله كثير من المسلمين اليوم - وما أكثر مشاكلهم - أنهم أشْقَوا حياتهم بإشْقاء أنفسهم من خلال كثرة سماعهم لتلك الأبواق التي تعرض موضوع الحياة والرزق من منظور إلحادي شيطاني لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر.
والمسلمون يقر كثير منهم بالقول: بأنّ الرزق بيد الله ولا ينكرون ذلك، ولكنهم في ممارساتهم اليومية لشئون معاشهم وسعيهم لتحصيل أرزاقهم يلاحظ عليهم في سلوكهم كأنهم منكرون لذلك، ولذلك تجد أمثال هؤلاء لا يمثلون سلوك المسلم الواثق بموعود الله في أمر الرزق، فإذا قطع مرتَّب أحدهم مثلًا قال على الفور: قطعوا رزقي. وفي سبيل هذا المرتب والوظيفة تجده يخضع ويكذب ويذل ويتصاغر لرئيسه، ونسي هذا المسكين المعذب أن رئيسه هذا ليس إلا فقيرًا مثله، ولا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا بَلْه أن يملك ذلك لغيره.
وتجد أمثال هؤلاء إن كان عنده مصنع أو متجر أو مزرعة أو عمارة لا يستحي من ربه أن يقول وكأنه يفتخر بذلك: لولا هذا المصنع ... أو ... أو ... إلخ، لهلكنا أو لافتقرنا، وينسى هذا وأمثاله أن المصنع والمتجر والمزرعة والعمارة وغيرها ما هي إلا أسباب يسرها الله تعالى سببًا للرزق، والرزق ليس في شيء واحد منها بدليل أن هذه الأشياء قد تزول وتفوت بسبب من الأسباب - بأمر الله - ومع ذلك يظل مَنْ فَقَدَها يأتيه رزقه بسبب آخر يهيئه له ربه الذي خلقه وتكفَّل برزقه، ويشبه هؤلاء من يظن أو يقول: لولا شهادتي العليا ما حصلت على دخل محترم، ونسي هذا المسكين التائه أن دخله هذا الذي أراده الله له زمانًا ومكانًا سيأتيه ولو لم تكن لديه شهادة عليا، فالشهادة العليا وسواها لا تأتي برزقه
(1) سورة الكهف (5) .