وجهدهم، ولذلك فلا سبيل إلى إنهاء هذا التسلط إلاَّ بالاعتصام بالمنهج الرباني الكريم، الذي بيّنته حقائق القرآن العظيم في موضوع الرزق، وبناء أسس الاقتصاد وقواعده على هذه الحقائق، إنّ الله تعالى حين بَيَّن لخلقه أنَّ أمر الرزق بيده سبحانه لم يدعهم ينتظرون أن تمطرهم السماء ذهبًا ولكنه عز وجل دعاهم إلى تلمس أسباب الرزق المبثوثة في كونه الفسيح وتعبدهم بذلك تربية لهم على طريق العبودية له جلَّ جلاله، ومن ثم أمرهم بالتوكل عليه لا على الأسباب، وجاءت السُّنة الفعلية - على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، وهي التفسير العملي لحقائق القرآن في موضوع الرزق- تُبين بكل جلاء ووضوح أنَّ التوكل على الله تعالى في هذا الأمر مِنْ علامات الإيمان، وتؤكد على حقيقة وضوح المنهج الإسلامي الرشيد الفريد، الذي يجعل من الرزق وتَلُمُّسَ أسبابه مدرسةً عالية، يتربى من خلالها المسلمون على معانٍ جليلة في التوكل لا التواكل؛ ومنها: الإيمان بالخالق الرزاق جلَّ جلاله، ومحبته، والإنابة إليه، وتعظيم أمره، والتجافي عمَّا حرمه وإنْ كان سهلًا كثيرًا، والإقبال على الحلال في الكسب وإنْ كان قليلًا أو عسيرا، ً ولا شك أنَّ المؤمن يدرك قيمة ومعنى أنَّ الرزق بيد الله تعالى؛ لأنَّ ذلك مِنْ شأنه أنْ يتيح له الفرصة لعبادة الله وطاعته، والتسابق في ذلك والإقبال عليه تعالى بالذكر والإنابة والاستغفار، والمؤمن هو أسعد الخلق بهذه المعاني حيث يجد في طاعته لربه نفسَه، كما يجد سعادته وأُنْسَه. ولو كُلِّف الخلق أن يَرْزُقُوا أنفسَهم، أو يَرْزُقَ بعضهم بعضًا لاستحالت حياتهم إلى جحيم لا يطاق، فما أوسع وأجمل رحمة الله تعالى بخلقه، فسبحان من وسعت رحمته كل شيء.
ولذلك فإنَّ إدراك حقيقة قول الله تعالى: ? ? ? ? ? ? [1] وتسليم القلب بها عن يقين يحتاج إلى قلوب مؤمنة، تعانق حقائق القرآن الخالدة وتصدق بموعود الله تعالى فيما أخبر به في كتابه، وعلى لسان نبيه - عليه الصلاة والسلام - برغم كل ما يطفو على سطح الحياة من أباطيل شياطين الجن والإنس وأعوانهم وأذنابهم، فالمؤمنون - في قضية الرزق - هم أسعد الناس، وأهنؤهم؛ لأنَّ قلوبهم آمنت بموعود الله تعالى وصدقت به، فاطمأنت نفوسهم، وانشرحت به صدورهم في وقت ضاقت فيه صدور الكثير من الناس، فضاقت بذلك حياتهم برغم ما في أيديهم من حطام الدنيا، فانتهى بهم الأمر إلى الانتحار والبوار.
إنَّ التصديق بموعود الله تعالى في الرزق، والاطمئنان به، وتربية النفس على الصبر على تكاليف هذا التصديق، لهو السبيل الأقوم إلى الحياة الهادية الراشدة الحلال، التي لا تمتد يد الإنسان فيها إلى الكسب الحرام مهما كان ميسرًا كثيرًا، بل يرضى بالحلال ويُقْبِل عليه ويسعد به ولو كان قليلًا، أو عسيرًا؛ إنَّ من المعاني التي يتربى عليها المؤمنون - على طريق الإيمان بأنَّ الرزق بيد الله تعالى، وأنَّه سبحانه متكفل بأرزاق خلقه جميعًا - هي ألا يتشابه المؤمنون في نظرتهم للحياة الدنيا مع نظرة الكفار الذين يرونها كل شيء، ويبذلون في سبيلها كل شيء. قال الله تعالى: ? ? ? ? ? [2] وفي تنكير الحياة في الآية الكريمة ما يدل على أنهم أحرص الناس على أحقر حياة وأقل لُبْث في الدنيا، فكيف بحياة كثيرة ولُبْث متطاول؟ [3] فالدنيا في ميزان المؤمنين معْبَر إلى الدار الآخرة الباقية ووسيلة إليها، ومع ذلك فإن موقف المؤمنين من الحياة الدنيا ليس موقف العداء والسلبية، بل هو موقف العمل فيها واستغلالها استغلالًا ناجحًا يؤدي إلى النجاح في الآخرة، فهم لا يعيشون فيها كسالى أو عالة على غيرهم [4] ، بل هم المتميزون والمتفوقون في كل ميدان من ميادينها المشروعة، يتركون آثارهم الطيبة التي تجعل الأجيال تشهد لهم بالنفع والفائدة والنجاح في دينهم ودنياهم، فهم فرسان أي ميدان حَلُّوا فيه، وهم في ذات الوقت رهبان الليل، والدنيا مهما أقبلت عليهم فهي في أيديهم فقط، والدِّين في قلوبهم، وهو ما يمثل التوازن والتكامل في شخصيتهم، وذلك نموذج الشخصية المؤمنة في الحياة التي تجعل للحياة معنىً شريفًا، حيث يحس النَّاس بقيمة هذه الحياة، ويسعدون بوجود المؤمنين فيها. إن القرآن الكريم يبين الصورة المتوازنة التي تعكس موقف المؤمنين وهم يتعاملون مع الحياة الدنيا في اعتدال، قال الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? الآية [5] .
وفي آيات كريمة أخرى بَيَّن القرآن الكريم، أهمية السعي للدنيا والآخرة وعدم إهمال إحداهما على حساب الأخرى تربية للمؤمنين على طريق التوازن والاعتدال.
ومما يجدر ذكره والتنبيه عليه في هذا المقام، أنَّه لا ينبغي أن يفهم بحال أنَّ إيمان المؤمنين بأنَّ الرزق بيد الله تعالى، وأنَّه سبحانه متكفل بأرزاق خلقه، يعني نبذ الدنيا أو إهمالها، وهذا لا يتعارض مع ما جاء في آيات كثيرة كريمة في القرآن الكريم، تصف الحياة الدنيا بمتاع الغرور، وتندد بالذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، وتضرب الأمثال لهذه الحياة، ومصير ما فيها من متاع وزينة، وتنبه على عدم الاغترار بها، غير أنه بأدنى تأمُّل لهذه الآيات، وسياقها الذي وردتْ فيه، والمناسبة التي نزلتْ فيها يَتبيَّن"أنَّها إنما جاءتْ في سياق الحض على الجهاد بالمال والنَّفس الذي كان يدعى إليه المسلمون لدفع العدوان والبغي، وتوطيد الحرية للدعوة الإسلامية، وفتح الآفاق لها، أوْ في سياق تقريع الكفار الذين صمّوا آذانهم عن سماع الدعوة، ولم يؤمنوا بيوم البعث والجزاء، ولم يحسبوا حسابه، وتكالبوا على الدنيا ولذائذها دون تمييز بين الحق والباطل، والخير والشرّ، ودون تفكير في المصير المظلم الذي هم سائرون إليه بكفرهم وغوايتهم، واستغرقوا في عقائدهم، وتقاليدهم، وعصبياتهم الجاهلية؛ أوْ في سياق الحض على ابتغاء الخير والحق،"
(1) سورة الذاريات: (58) .
(2) سورة البقرة: (96) .
(3) انظر: تفسير الشوكاني (1/ 115) .
(4) وكان الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -"يمر بالسوق ويقول: ما أحسن الاستغناء عن النَّاس"اهـ. أخرجه الخلال في الحث على التجارة والصناعة (24 رقم 4) .
(5) سورة القصص: (77) .