خرجت أعرابية يومًا على أعراب، فوجدتهم منكسي رءوسهم بسبب أنَّهم زرعوا زرعًا، فأصابته جائحة فحزنوا من أجله، فقالتْ تخاطبهم: مالي أراكم قد نكَّستم رءوسكم، وضاقت صدوركم؟ هو ربنا، والعالم بنا، ورزقنا عليه يأتينا به حيث شاء، ثم أنشدت تقول:
لَوْ كَانَ فِي صَخْرَةٍ فِي البَحْرِ راسيةٍ
صَمَّاءَ مُلَمْلَمَةٍ مَلْسًا نَوَاحِيَها
رِزْقٌ لِنَفْسِ بَرَاهَا الله لا نْفَلَقَتْ
حَتَّى تُؤدِّي إلَيْها كُلَّ ما فِيهَا
أوْ كَانَ بَيْنَ طباقِ السبعِ مسلكُهَا
لسهَّل اللهُ في المرْقَى مراقِيهَا
حتَّى تنالَ الذي في اللَّوْحِ خُطَّ لهَا
إنْ لم تَنلْهُ وإلاَّ سوفَ يأتِيهَا [1]
وقد فقهت هذه الأعرابية - على فطرتها وبساطتها - قضية الرزق فقها إيمانيًا، بينما عجز عن فقهها كثير من الناس في عصر الذرة اليوم، وبعض هذا الكثير على علم في الظاهر، لكنَّهم علموا ظاهرًا من أمر الحياة الدنيا، وهم عن حقائق القرآن وثوابت الفطرة غافلون؛ فالمتأمل في مقالة الأعرابية يتضح له أنَّ
(1) تفسير القرطبي: (17/ 43) .