الصفحة 52 من 164

إن المؤمن وهو يسعى لتحصيل رزقه متوكلًا على الله تعالى - خالقه ورازقه- يتعامل مع الأسباب التي أمر الله تعالى بالأخذ بها، وهو موقن أن الاعتماد كله - في تحقيق المرغوب - على الله سبحانه خالق هذه الأسباب، وأن الأخذ بها من الشرع،"فليس إسقاط الأسباب من التوحيد، بل القيام بها واعتبارها، وإنزالها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محض التوحيد والعبودية، والقول بإسقاط الأسباب هو توحيد القدرية الجبرية أتباع جهم بن صفوان في الجبر، فإنه كان غاليًا [1] فيه، وعندهم أن الله لم يخلق شيئًا بسبب، ولا جعل في الأسباب قوى وطبائع تؤثر، فليس في النار قوة الإحراق، ولا في السم قوة الإهلاك، ولا في الماء والخبز قوة الري والتغذي به، ولا في العين قوة الإبصار، ولا في الأذن والأنف قوة السمع والشم" [2] ؛ ولا شك أن هذا مذهب فاسد في فهم دور الأسباب، ولذلك فإن"طرد هذا المذهب مفسد للدنيا والدين، بل ولسائر أديان الرسل" [3] ، وهو مذهب باطل يكابِرُ أصحابُه مكابرة لا تلبث أن تنهزم وتسقط أمام وقائع الحياة"فإنهم لابد أن يأكلوا ويشربوا، ويباشروا من الأسباب ما يدفع"

(1) من الغُلُوّ، وليس الغَلاء.

(2) مدارج السالكين لابن قيم الجوزية: (3/ 495 - 496) .

(3) نفس المصدر: (3/ 496) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت