خاضعين، أذلاَّء ضارعين، فاستقامت نفوسهم على طريق التأدب مع الله تعالى، والخشوعِ بين يديه في الصلاة، ومن وفق إلى الخشوع في الصلاة - وهو منقبة عظمى- فقد وُفِّق إلى خير كثير، وهو دليل على أن السيطرة على النفس في الصلاة سبيل إلى السيطرة عليها في ميادين الحياة الأخرى. وهو وصف دقيق للمؤمن العامل الجاد في الحياة، والذي لا يوجد في حياته عبث أو ضياع أو خوض فيما لا يفيد، وهو أمر أهَّله لهذا الموقف الخاشع في الصلاة، وقد أحسن فيما بينه وبين خالقه، وإحسانه بالخشوع في صلاته دليل على إحسانه في باقي الميادين، كما أحسن فيما بينه وبين غيره من المسلمين بأداء حقوقهم المترتبة لهم في ماله ففعل الزكاة، فهو مشغول بالإحسان في جانبيه يتردد بينهما طلبًا لمرضاة ربه، وعبادةً وطاعةً له سبحانه واتباعًا لرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وتطل علينا صورة المؤمن من خلال هذين الإحسانين وهي تتحلى بتلك الصفات الجميلة الجليلة التي بينتها سورة (المؤمنون) ، وهي صفات تدل على مدى وعي المؤمن لدوره، ومسئوليته في الحياة الدنيا، والآخرة.
وهي صورة تملأ نفس المتأمل سعادةً، واعتزازًا، واستبشارًا، وإنه لمعنى جليل كريم يبرزه القرآن الكريم لصورة المؤمن الفاعلة في الحياة، لتنطبع في ذاكرة المسلمين في كل زمان ومكان فيتمثَّلوها، ولتكون قدوتهم في الحياة - وهم يمخرون عباب بحورها - عملًا وبذلًا للجهد، وأخذًا بالأسباب طاعة لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -. والآيات الكريمة تدل على أن الناس في الحياة نوعان: مؤمن تلك بعض صفاته، وآخر عابث فاقد لهدفه في الحياة، وطوفان الحياة لا يرحم اللاهين في عبثهم، بل يرمي بهم إلى قاع الضياع السحيق، ومن لا يراغم نفسه، ويحملها على الحق،