الصفحة 65 من 164

أن المؤمن لا يعيش منعزلًا لنفسه ومصالحه، بل إنه يأخذ مكانه في الحياة بكل قوة وجدارة، يتحرك فيها حركة من يستفيد من الفرص المشروعة المتاحة، لتأكيد الصورة الهادفة الفاعلة الفاضلة، لحركة المؤمن في الحياة علمًا، وعملًا، وتعليمًا، وتجارة، وصناعة، وزراعة، وتنمية، واستفادة، ولا يشغله شيء من ذلك وسواه عن عبادة الله تعالى وطاعته، فقلبه متعلق بربه وخالقه سبحانه. وهذا هو المعنى الإيجابي للحياة، والذي لا يتحقق إلاَّ بالمؤمنين دون سواهم.

وذلك أن سبيل المؤمنين هو تحقيق النجاح ظاهرًا وباطنًا في الدنيا والآخرة. والملاحظ في سياق هذا النص الكريم من سورة الأنفال - والذي لا يزال الحديث عنه موصولًا- أن صفة الإنفاق جاءت مقترنة بصفة إقام الصلاة قبلها، ولذلك دلالاته وإيحاءاته، وأبعاده القريبة والبعيدة في تربية المؤمنين على طريق المسئولية المناطة بهم، بحكم إيمانهم، فالنجاح في ميدان إقام الصلاة يترتب عليه النجاح في ميدان الحياة العملية في مجالاتها المشروعة المتعددة، والقرآن الكريم يؤصل بهذا معلمًا كريمًا من معالم الاقتصاد الإسلامي الهادف الناجح القائم على الاهتمام بالأسباب، والأخذ بتطويرها نحو الأفضل دراسة، وتحليلًا، واستفادة، واستثمارًا، ومن العجيب في الموافقة أن تأتي الآيات في وصف المؤمنين في سورة اسمها (المؤمنون) قريبة من وصفهم في الآيات التي جاءت في بداية سورة الأنفال، قال الله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [1] ، وتحدد في هذا النص الكريم مجال الإنفاق بأنه فعل الزكاة، والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يَلْحَظُ أنه فَصَل بين صفة الخشوع في الصلاة - وهي صفة مقتضية: أن المؤمنين يقيمون الصلاة؛ لأن الخشوع ثمرة إقام الصلاة - وبين صفة فعل الزكاة بصفة الإعراض عن اللغو، وهذا الفصل له أبعاده ودلالاته المتصلة بشخصية المؤمن التي جاء الحديث عنها وصفًا لأفعالها المحمودة في آيات كثيرة من كتاب الله عز وجل، ومنها هذه الآيات في سورة (المؤمنون) ، والخشوع في الصلاة وصف جليل كريم للمؤمنين، وقد جاهدوا أنفسهم على طريق العبادة لله تعالى، وطول القنوت بين يديه سبحانه مناجين

(1) سورة المؤمنون: (1 إلى 11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت