هذا الكتاب المتواضع في جهده، الثمين بما حوى من آيات الله، وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم هودعوة مخلصة للجميع، للمسلمين ولغير المسلمين، دعوة من أجل إظهارالحق، ودفع الباطل، دعوة للقراءة في هدوء، ومراجعة النفس بعيدا عن الصراخ والتشنج، دعوة لا تهدف لفرض رأي على رأي آخر بغير حق. فالحقيقة التي ينشدها كل ذي لب تغيب وسط الجدال الممجوج، والتعصب الأعمى.
هذا الكتاب دعوة لمناقشة شبهة ارتبطت بالإسلام زورا وبهتانا، وتتناول موقفه من الرقيق. ولا بأس هنا من النقاش والجدال، ولكن كما هو معلوم، فالجدال نوعان، جدال محمود وآخر مذموم، فأما الجدال المحمود فهو: ما كان من أجل تقرير الحق، وهو في أعلى درجاته مهنة الأنبياء في الدفاع عن العقيدة، وهو أيضا واجب الأتباع المخلصين لدينهم والواعين برسالته، أما على وجه العموم، فهو جدال جاد ينشد أطرافه الوصول إلى الحقيقة، أما الجدال المذموم فهو: الذي يتعلق في تقرير الباطل ويراد به الجَدَلُ على الباطل وطَلَبُ المغالبة فيه.
وما نعنيه هنا بالطبع هو الجدال المحمود.
وليس هذا بالشئ المستغرب، فقد وردت مادة الجدل في كتاب الله في حوالي سبعة وعشرين موضعًا، كلها جاءت بمعنى الخصومة إلا في أربع مواضع:
)فلما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (هود: 74
(وجادلهم بالتي هي أحسن (النحل 125
(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن (العنكبوت: 46
(قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله) المجادلة: 1
وعن الجدال في الإسلام لابد من الوقوف أولا عند قوله تعالى:
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) المائدة: 3
فلقد كمل الدين، وتمت نعمة الله علينا، لكن الحوار والجدال متواصل مادامت الحياة، والحوار الجدال الذي يعنينا هنا ـ كما قلنا آنفا ـ هوالحوار الهادف والجدال المحمود، فالله في علاه أمر نبيه العظيم أن يلتزم في دعوته لدينه، وفي وجداله مع خصومه بعدة مبادئ، علينا أيضا الالتزام بها، فالرسول الكريم هو أسوتنا الحسنة في كل شئ، قال تعالى:
)لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) الأحزاب: 21
ومن هذه المبادئ السامية التي شكلت منهج النبي في حواره وجداله مع خصومه:
1 ـ التزام الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، يقول تعالى آمرا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة. والحكمة تعني كما قال ابن جرير هي ما أنزله الله عليه من الكتاب والسنة، والموعظة الحسنة أي بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس ذكرهم بها ليحذروا بأس الله