إن المناهج والوصايا التي حفل بها القرآن، وامتلأت بها كتب السنة المشرفة في كيفية معاملة الرقيق قصدت أولا التحرير الروحي للعبيد حتى تأتي مرحلة التحرير الفعلي لهم بعد ذلك لأن قاعدة الإسلام الأساسية العظمى هي المساواة الكاملة بين البشر، هذا و لم يلغ الإسلام نظام الرق مرة واحدة، لسببين رئيسيين:
السبب الأول
كانت أعداد الرقيق عند مجئ الإسلام هائلة جدا تصل إلى ألوف مؤلفة وكان وقتها من المستحيل أن يطلق سراح هذا الجمع الهائل من العبيد الذين إن أطلقوا فلا سلطان لهم أو عليهم ولا ننسي الضغوط النفسية التى كانوا يتعرضون لها من ملاكهم إذ لو أطلق سراحهم في تلك الفترة لأصبحت قوة تدميرية في المجتمع لأن هم أصبحوا أحرارا لا سلطان عليهم مشحونين بأسوأ معاملة فلربما طوعت لهم أنفسهم الانتقام وهو أمر حتمى الوقوع.
السبب الثانى
كان منهج الإسلام في تغيير الأمر المخالف للدين يقوم على قاعدة هامة فإن كان الموضوع من قضايا العقيدة وأركان الإسلام فلا يتهاون في حقه بل يتخذ الإجراءات الحاسمة والفورية، ولكن لما لم يصل إلى هذا الحد من الضرورة فلا حاجة إلى الإسراع والتعجيل، لأن هذا يخل بالنظام الاجتماعي، ولذا يتصرف المشرّع بشكل آخر، وهو التطبيق التدريجي للأحكام نحو الهدف الغائي والمطلوب لكي لا يصطدم المجتمع بصدمة عنيفة في بنيته الأساسية إزاء التطبيق الدفعي والقسري.
فمثلًا عندما يرى أن المشركين يحجّون إلى بيت الله الحرام ويؤدون مناسك خاصة ـ وان كان العمل بمجموعه من تراث الدين التوحيدي، دين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ولكن حرّفوه في طول التاريخ ـ فهو يقع بين أمرين: إما أن يمنعهم عن هذا العمل مطلقًا، فينبغي أن يتحمل تبعات هذا المنع من اعتراضات وتهم ترد للنيل من سمعة الإسلام متهمًا إياه بعدوله عن خط الأديان التوحيدية؛ أو يتصرف في شكلية النسك فيطهرها من آثار الكفر والشرك مع عدم المساس بأصل العمل، وهذا النوع من التصرف مع سهولته لا يثير حفيظة ذلك المجتمع قريب العهد من الجاهلية، وبالتالي ينال هؤلاء المخضرمون شيئًا فشيئًا مزايا الحج التوحيدي والصحيح، وهذا ما قد حصل فعلًا.
ويعد تحريم الخمر مثالا آخر في هذا المنهج،، فمرّة بيّن للناس مضارّه، ثم في مرحلة ثانية منعهم عن الصلاة في حالة السكر، وفي المرحلة الثالثة صرح بتحريمه مطلقًا، والسبب في ذلك أن الناس وقتها كانوا يشربون الخمر أكثر من الماء فإذا منعوا الخمر مرة واحدة رجعوا إليه مرة واحدة.
أنزل الله عز وجل: