أجاب صلى الله عليه وسلم:
"أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك"
يعني أن يدفع عليه السلام المتفق عليه لثابت بن قيس مقابل تحريرها ثم يتزوجها صلى الله عليه وسلم. فقالت: نعم يا رسول الله.
قال عليه السلام:
"قد فعلت".
وبهذه الزيجة المباركة تحرّر كل بني المصطلق من الأسر، إذ انتشر الخبر بين الصحابة فقالوا جميعًا: أصهار رسول الله في الأسر؟! أي استنكروا أن يستبقوا بني المصطلق في الأسر بعد أن صاهرهم النبي، وانطلقوا فحرّروهم جميعا بلا مقابل.
وكان رد فعل هذا الكرم النادر من قبل النبي وأصحابه أن أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم. تقول السيدة عائشة رضي الله عنها:
ـ أعتق بتزويج جويرية من النبي أهل مائة بيت، فلا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها.
وهكذا حرّر النبي قبيلة بأكملها بهذه الزيجة.
بعد فتح خيبر وقعت صفيّة بنت حيي بن أخطب زعيم اليهود في الأسر. وكان أبوها وأخوها وزوجها قد قُتلوا جميعًا في المعركة. وطبقًا لما تعارف عليه العالم كله آنذاك كان من الطبيعي أن تكون صفية كغيرها من السبي جارية يستعبدها من قهر أباها في الحرب، لأنه لو كان أبوها هو المنتصر لفتك بسبايا المسلمين.
قال دحية الكلبي رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم بعد المعركة:
ـ يا رسول الله أعطني جارية من سبي يهود.
فقال له عليه السلام:
"اذهب فخذ جارية"
فذهب دحية فأخذ صفية.
فرآها الصحابة فعرفوها، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم سِراعًا هاتفين:
ـ يا رسول الله إنها سيدة بني قريظة والنضير، ما تصلح إلا لك.
فأعطى الرسول لدحية عوضًا عنها وضمها إليه.
ومن المهم هنا أن نسجل مَكْرَمة تخفى على كثير من الناس، وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتخذ صفية جارية كعادة الأمم الأخرى، بل بدأ عليه السلام بتكريم مثواها، ثم خيَّرها بين العتق وإطلاق سراحها إن أرادت البقاء على يهوديتها والرحيل معززة مكرمة إلى المكان الذي هرب إليه بقايا قومها، أو الإسلام والزواج منه بعد عتقها أيضًا، فوافقت صفية رضي الله عنها فورًا على الزواج من النبي، فتزوّجها عليه السلام وجعل عتقها صداقها، ففي جميع الحالات أعتقها عليه السلام سواء تزوجته أم رفضت الزواج منه.