الصفحة 71 من 99

إحساسه بالنصر لم يعمل فيهم سيفا إلاسيف الرحمة، فحين وقعوا جميعا في إساره وانتظروا ماهو فاعل بهم، فما كان منه إلا أنه أطلق سراحهم في لحظة نادرة، تقول كتب التاريخ واصفة هذه اللحظة المباركة:

(دخل أبو سفيان مكة منذرا ومحذرا ,وهو يُحسُّ أن وراءه قوة إن تحركت اجتاحت ما أمامها ,فصرخ في قومه: يا معشر قريش ,هذا محمد قد جاءكم فيما لاقبل لكم له , فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ,فقامت إليه هند بنت عتبة وقالت:

ـ اقتلوا الحميت الدسم الأحْمَشَ الساقين قُبِّحَ من طليعة قوم.

فقال أبوسفيان:

ويلكم ,لاتغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به , من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ,ومن دخل المسجد فهو آمن.

قالوا: قاتلك الله وماتغني عنا دارك.

قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.

فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

اختفى رجال مكة وراء الأبواب المغلقة ,وزحف الجيش المنصور ورسول الله على ناقته تُتوِّج هامته عمامة دسماء ورأسه خفيض من شدة التخشع لله ,وبدا عليه التواضع الجمُّ حتى كاد عُثْنُونُه يمس واسطة الرحل , دخل مكة بجيشه في هدوء وتواضع ,حتى أخذ الراية من سعد بن عبادة عندما علم أنه قال:

ـ اليوم يوم الملحمة ,اليوم تستحل الحرمة , اليو أذل الله قريشا.

ودفعها لابنه قيس وقال:

"بل اليوم يوم تعظم فيه الكعبة ,اليوم يوم أعز الله فيه قريشا"

تذكر الرسول الماضي الطويل وكيف خرج مطاردا ,وكيف هاجر أصحابه ,واليوم يعود منصورا مؤيدا في الفتح العظيم ,دخل مكة وأمر أصحابه أن لايقاتلوا فيها إلا من قاتلهم فدخلت جميع الفرق.

استسلمت مكة ,وعلت كلمة الله في جنباتها ,ووصل رسول الله إلى البيت العتيق ,فاستلم الحجر وطاف وفي يده قوس طعن به أصنام قريش وهو يردد:

"جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"

ودخل الكعبة فطهرها من الأصنام وصلى فيها ركعتين، ومن على كل أهل مكة بالحرية.

وقد اتبع الرسول عليه السلام أسلوبا حكيما لتحرير الأسرى بطريقة غير مباشرة مع أسرى هوازن وثقيف وكانوا ستة آلاف نسمة. فعند ما جاءه وفد القوم مسلمين، وناشدوه إخلاء سبيل أسراهم قال لهم:

"ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم".

وأرشدهم إلى أن يأتوا وقت الصلاة، ويستشفعوا بالنبي إلى المسلمين. ففعلوا، فقام النبي وسأل الناس أن يخلوا سبيل الأسرى، ولكل رجل لا تطيب نفسه بالتخلي عن أسيره ستة من الإبل من أية غنائم تأتى إلى النبى في أقرب وقت ممكن، تعطى له مقابل كل نفس يطلق سراحها. فقال المهاجرون:

ـ ما كان لنا فهو لرسول الله.

وقال الأنصار:

ـ ما كان لنا فهو لرسول الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت