والآخرة، ولأنها تجمع بين الأمة وصاحب الشرع، فقال:"الملك الطبيعي هو حمْلُ الكافّة على مقتضى الغرَض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافّة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافّة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافةٌ عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" [1] .
والخلافة سعي دائب باتجاه تحقيق المصالح خالصة بعيدًا عن المفاسد والشهوات، ولذلك دار أمر الحكم في التصوّر الإسلامي للحكم والحاكم حول الكيف وليس الكم، وبذلك تميزت (الخلافة) عن الأنظمة الديمقراطية المعاصرة التي تراعي المجموع الكلي لأصوات الناخبين ولا تركز على نوعية الاختيار الذي يحقق مصالح العباد الدينية والدنيوية، ويقيم التوازن بين جلب المصالح ودفع المفاسد [2] .
ومما يعزز قناعات المسلم باحتضان الإسلام للعمل السياسي واهتمام الشرع بهذا النشاط الإنساني الضروري، ما ورد في الآثار المعتبرة من تفصيل لمراحل الحكم التاريخية، تنبأ بها النبي - قبل وقوعها، فقد أخرج أحمد في مسنده عن النعمان بن بشير؛ قال: كنا قعودًا في مسجد رسول الله - وكان بشير رجلًا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة فقال: يا بشير بن سعد؛ أتحفظ حديث رسول الله - في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة الخشني، فقال حذيفة: قال رسول الله:"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكًا عَاضًّا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريًا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة".
وفي كل ما تقدم دلالة واضحة على موقع (الحكم) بمعنى القيادة السياسية، وأشكال هذا الحكم في مسيرة الأمة المسلمة.
ولضبط مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم وضع علماء المسلمين على رأس أهداف (الخلافة الإسلامية) ما استخلصوه من كتاب الله تعالى، فيما يتعلق بحفظ أحكام الدين ورعاية مصالح الفرد والجماعة واستمرار الدعوة على منهج النبوّة، وأبرزها:
-تعبيد البشرية لله وحده {ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوتَ} [النحل/36] .
-وتبليغ الإسلام للناس كافّة {وكذلك جعلناكم أمّةً وسطًا لتكونوا شهداءَ على الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا} [البقرة/143] .
-والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {كنتم خيرَ أمّةٍ أُخرجتْ للناس تأمرون بالمعروف وتنهوْن عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران/110] .
-وإزالة الفتنة من الأرض كافة، وإظهار الدين الحق على كل دين، وتحكيم الشريعة الإسلامية {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكونَ الدينُ كلُّه لله} [الأنفال/39] .
(1) مقدمة ابن خلدون، العصرية، ط 2، 1416 هـ/1996 م، ص 178.
(2) د. محمد طه بدوي، المنهج في علم السياسة، طبعة كلية التجارة بجامعة الإسكندرية، 1979 م، ص 84.