لا يخفى على أي دارس للمذاهب الفكرية والفرق العقائدية قديمًا وحديثًا مدى علاقة التأويل في تذكية أصول الخلاف أو الاختلاف بينها؛ حيث كانت تعمد كل فرقة إلى عدم معارضة النصوص التشريعية لقدسيتها في المجتمع المسلم، أو لسطوتها الدينية عند أصحاب المقالات المتعددة؛ لذا تعمد هذه الفرق إلى انتهاج وسيلة تستطيع من خلالها التوفيق بين أفكارها وبين النصوص التشريعية، وأمثل وسيلة لذلك هو تأويل تلك النصوص التي تتعارض مع أفكارها، ومن هنا كان للتأويل مجاله الأوسع بين هذه الفرق أو المذاهب، وبدونه لا تستطيع هذه الفرق عرض أفكارها في المجتمع المسلم.
وأحيانًا يكون منشأ التأويل مع توفر سلامة القصد، وذلك للدفاع عن الإسلام وعقائده إلا أن الخطأ ينشأ عند الخوض فيما لا مجال للعقل بإدراكه من النصوص المندرجة تحت المتشابه الذي لا يعلم حقيقته إلا الله في الراجح.
وظاهرة تأويل النصوص التشريعية في الجانب العقائدي على وجه الخصوص ليست ظاهرة إسلامية فحسب، بل هي ظاهرة فكرية عالمية وجدت عند الفلاسفة و أصحاب الديانات السابقة، وتسربت منها إلى المجتمع المسلم؛ لذا يحسن هنا بيان المقصود بالمتشابه ومدى جواز تأويله، وبيان حقيقة ظاهرة التأويل كظاهرة فكرية عالمية، ثم بيان أثرها على الاختلاف الفكري والعقائدي في المجتمع المسلم قديمًا وحديثًا، وذلك في المطالب الخمسة التالية.
يلحظ أن الخوض في التأويل في العقائد ارتبط بفهم آية قرآنية كانت مدار اختلاف بين العلماء وهي قوله سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران:7]
فالآية السابقة أشارت إلى أن آيات الله قسمان:
القسم الأول: الآيات المحكمات. والإحكام هنا هو تمييز الحقيقة المقصودة من اللفظ عن غيرها حتى لا تشتبه بها [القاسمي،: 4/ 753] ، ويعرفه الأصوليون بقولهم: «هو اللفظ الدال على معناه المقصود من سوقه دلالة واضحة بحيث لا يحتمل معها التأويل.» [الدريني، 97: 76] ؛ أي أن اللفظ المحكم هو الذي يدل على حقيقة واحدة لا تلتبس مع غيرها، ولا تحتمل أي تأويل.