الصفحة 15 من 35

المطلب الثالث: التأويل والاختلاف الفكري والعقدي عند المسلمين قديمًا

يلحظ أن جذور الاختلاف الفكري أو العقائدي عند المسلمين قديمًا يمكن إرجاعها إلى عدة فرق رئيسة هم الخوارج، والشيعة والفرق الباطنية، والصوفية، والفلاسفة، و علماء الكلام، ومدار التأويل كان يدور في دائرة هذه الفرق على وجه الخصوص، ومن خلالها يمكن فهم مدى الأثر المترتب عليه في تذكية الاختلاف فيما بينها وبين أهل السنة والجماعة الذين آثروا الاقتصاد في الاعتقاد، والوقوف عند رسومه آخذين بمجمله، ورأى جمهورهم وجل السلف الصالح عدم الخوض في المتشابهات وسلكوا مسلك التفويض في المعاني، أما غيرهم فقد كان التأويل معوله في أكثر النصوص، لذا لا بد من بيان مناهج هذه الفرق ومدى أثر التأويل عليها من الناحية الفكرية والعقائدية، وذلك على النحو التالي:

أولًا: الخوارج.

يمكن القول أن أول ظاهرة حقيقية للاختلاف الفكري بين المسلمين نشأت مع ظهور طائفة الخوارج التي نجمت بعد التحكيم في وقعة صفين، حيث خرج القراء على الإمام علي - رضي الله عنه - ناقمين عليه رضاه بالتحكيم، ورفعوا شعار لا حكم إلا لله، فكان فهمهم لهذا الشعار هو أول تأويل للنصوص أعقبه تكفيرهم لكثير من الصحابة واستباحتهم لدمائهم، ثم أعقب ذلك كثير من الأفكار المخالفة لأهل السنة منها: التسوية بين الصغائر والكبائر، و اعتقادهم أن العبد يصبح كافرًا إذا ارتكب ذنبًا، واعتقاد بعض فرقهم أن من لا يعرف أسماء الله وتفاصيل الشريعة فهو كافر، وتعتقد بعض فرقهم جواز نكاح البنات، و كذلك تعتقد بعض فرقهم أن سورة يوسف ليست من القرآن لأنها في شرح العشق والعاشق والمعشوق، ويجوزون أن يكون الرسول ظالمًا إلى غير ذلك من المعتقدات التي تدل على مدى الانحراف الخطير الذي وقعت به هذه الفرقة. [المبيض، 2005: 109]

ويعتقد البعض أن حرفية الخوارج في تعاطيهم مع النصوص هو الذي أوقعهم في هذه المزالق الخطيرة، يقول بكر البشري: «إنما ضلت الخوارج بحملها القرآن على ظاهره»

ويرد ابن حزم عليه بقوله: «وأما قول بكر: عن الخوارج إنما ضلت بإتباعها الظاهر فقد كذب .. ما ضلت إلا بمثل ما ضل به هو من تعلقهم بآيات ما وتركوا غيرها.» [ابن حزم، 84: 2/ 302]

وفي ظني أن كلًا من كلام بكر البشري وابن حزم له نصيب من الصحة، فالخوارج لسطحية فكرهم - كما وصفهم رسول الله بأنهم سفهاء الأحلام - لم يحسنوا التعاطي مع النصوص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت