والفرق الباطنية على تنوعها كان لها الأثر الواضح في الناحية الفكرية في القرن الرابع وما بعده؛ لعل من أهمها إزالة هالة الخوف والقداسة عن العقائد الإسلامية ووضعها تحت مجهر العقل والحس، ومهدت بذلك للزنادقة والمجوس والفلاسفة وغيرهم ليتجرءوا ويجاهروا بكفرهم وفلسفتهم اليونانية، ولم يقف الأثر الفكري للحركة الباطنية عند هذا الحد، بل أوجدت لها أثرًا واضحًا عند المتصوفة بأفكارها وعقائدها الفلسفية، فظهر منهم الغلاة المتأثرون بأفكار الفرقة الباطنية وفلسفتها، فزعموا وحدة الوجود والاتحاد بالمعبود.
لست بصدد الحديث عن التصوف على وجه العموم كظاهرة كانت ردة فعل للانسعار المادي والتوجه الدنيوي في إحدى مراحل الأمة الإسلامية؛ حيث عمد البعض إلى التقشف والزهد والدعوة إليه وكان لهؤلاء إشارات جميلة في علم السلوك وتأويلات سائغة لا تتعارض ومدلول الوحيين، بل يعنينا هنا فقط بعض مراحل النزعة الصوفية التى استغلت كستار للبعض للكيد للإسلام بما يعرف بالتصوف النظري الفلسفي، ومن رموزه ابن عربي، والتصوف العملي الذي أفرز لنا ما يعرف بالتفسير الإشاري للنصوص والذي اتخذ بعضه شكلًا مغاليًا، وتفصيل ذلك على النحو التالي:
أولًا: التصوف النظري الفلسفي:
وهذا التصوف يقوم على البحث والدراسة لا الزهد والتقشف، ومن مميزاته أنه اعتمد في تفسيره للنصوص الشرعية على الفكر الفلسفي الإغريقي أو الفكر الغنوصي الإشراقي، والفلسفات الهندية المتعلقة بالروح والروحية، إضافة للفكر الباطني برمزيته و تأويلاته، ولا يستبعد أن يكون كثير من رجالات الفكر الباطني بعد انكشاف أمرهم و ملاحقتهم في المجتمعات الإسلامية قد تدثروا بدثار الصوفية لإكمال مآربهم الخبيثة في هدم النصوص الشرعية و قتل قدسيتها في المجتمع الإسلامي.
هذه نظرة سريعة للفكر الصوفي النظري، أما عن منهجه في التأويل، فلم يختلف من حيث الحقيقة عن تأويل الباطنية وغلاة الشيعة، ولا عن تأويلات فيرون اليهودي ولا أريجون النصراني، فالامتداد الفكري واحد وطريقة التفكير في التعاطي مع التأويل متشابهة، وهذا يتضح من تأويلات أرباب هذا الفكر وعلى رأسهم ابن عربي، وهذه نماذج من تأويلاته ذكرها في كتابه فصوص الحكم:
1 -يقول الله سبحانه وتعالى في حق إدريس: «ورفعناه مكانًا عليًا» قال ابن عربي في تفسيرها، وأعلى الأمكنة المكان الذي تدور عليه رحى عالم الأفلاك، وهو فلك