الصفحة 9 من 35

فالمعلوم أن التأويل هو ترجيح أحد احتمالين على الآخر؛ لذا محصلته تعتبر من باب ظني الدلالة؛ فإذا تناقض مع نص قطعي الدلالة من كتاب أو سنة أو إجماع وجب طرحه وعدم اعتباره لأن الظني لا يقوى على معارضة القطعي.

ومثال ذلك تأويل القصص القرآني بصرفها عن معانيها الظاهرة، واعتبار دلالتها رمزية لإبراز طبيعة صراع الحق والباطل، فهذا التأويل يخرج القصص القرآني من مضمونه بتحويل قصصه إلى ملاحم خيالية ليس لها رصيد من الواقع، ويتناقض صراحة مع قوله تعالى: «وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ» [يونس:37]

سادسًا: مراعاة الغرض الذي لأجله سيق النص من خلال سبب النزول والورود.

يعتبر سبب نزول الآية أو سبب ورود الحديث سببًا مهمًا لفهم معاني الوحيين (القرآن والسنة) وكشف الغموض الظاهري الذي يكتنف بعض الآيات، لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، وهناك عدد من الآيات نزلت بلفظ عام ويراد بها الخصوص، كقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» [النور: 23] فهذه الآية نزلت في عائشة على وجه الخصوص، أو في عائشة وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة؛ لذا ما يترتب عليها من أحكام كاللعنة وعدم قبول التوبة يقتصر على من قذف إحدى أمهات المؤمنين.

ومن الأمثلة على فائدة سبب النزول في كشف الغموض في بعض النصوص قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ» [البقرة:158] فإن ظاهر لفظ الآية يشير إلى أن السعي ليس واجبًا لأن رفع الجناح يفيد الإباحة لا الوجوب، وقد تمسك البعض بظاهر الآية كعروة بن الزبير فردت عائشة عليه بأن سبب نزول الآية هو أن السعي على الصفا والمروة كان من أعمال الجاهلية وكان على الصفا صنم يسمى إساف وعلى المروة أيضًا صنم يسمى نائلة فتأثم الصحابة من السعي بينهما لموافقته لعمل الجاهلية فجاءت الآية لرفع هذا التأثم أو الحرج الذي كان يحيك في صدور الصحابة، دون الدلالة على حكم السعي، ثم بين النبي - صلى الله عليه وسلم - حكمه في مواطن أخرى.

فهذه الأمثلة وغيرها كثير تبرز مدى أهمية معرفة سبب النزول أو الورود في تفسير وبيان دلالات النصوص، وعدم معرفتهما للمؤول يوقعه في الزلل بإخراج النص من دائرته التشريعية التي سيق لأجلها. [الزركشي، 72: 1/ 22؛ القطان،: 79 وما بعدها]

المطلب الثاني: أٌنواع التأويل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت