الصفحة 29 من 35

نُصَلِّي حَتَّى نَاتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ [فتح الباري: 7/ 471]

فالملاحظ من النص السابق أن بعض الصحابة قد وقف عند ظاهر النص وحدود الألفاظ، ولم يصل العصر حتى بعد خروج الوقت، وذلك وقوفًا عند حدود اللفظ النبوي وأمره، وبعضهم تخطى ظاهر اللفظ إلى المعنى المقصود من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو الإسراع إلى بني قريظة؛ لذا صلوا العصر في الطريق قبل وصولهم إليها، والملاحظ من سياق الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أقر الفريقين ولم يعنف أحدًا، ولم ير في المخالفين لظاهر نهيه عن صلاة العصر إلا في بني قريظة أنهم قد خالفوا مدلول النص الشرعي، بل كلا الفريقين مصيب واللغة تحتمل الأمرين وهما ظاهر اللفظ أو المعنى المقصود من النص، وإن كان يخالف ظاهر اللفظ.

ولعل هذا النص واضح الدلالة في جواز التعاطي مع مدلولات النص ومعانيه، وإن كانت تخالف ظاهر اللفظ، وفيه إشارة إلى أن هذا الاختلاف في الفهم لا يدخل ضمن الخلاف المذموم بل هو اختلاف تنوع بحسب أفهام الناس وقدراتهم.

والناظر للفقه الإسلامي منذ عهد الصحابة وعبر أدواره المختلفة يجد أن التأويل كان سببًا رئيسًا للاختلاف المذهبي والفقهي، ذلك لأن التأويل يتعلق بالمعاني لا الألفاظ ويرجح المجتهد ما يرى أنه مقصود الشارع من النص، حتى لو كان هذا المعنى أضعف مما يفيده النص بظاهر لفظه ما دام هناك دليل راجح يرتقي بالمعنى بأن يكون أرجح في الدلالة على مقصود الشارع مما يفيده النص بظاهره.

ولكي تتضح سمات التأويل الفقهي ومجالاته وموارد أدلته أسوق الأمثلة التالية من عهد الصحابة والتابعين، و مرحلة المذاهب الفقهية، وذلك على النحو التالي:

أولًا: التأويل عند الصحابة.

1 -لعل من أهم المسائل التي عرضت للصحابة هو مسألة تقسيم الأرض التي فتحت عنوة على الغانمين والتي يشير إلى حكمها قوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» [الأنفال:41] فإن ظاهر الآية أن هذه الأرض غنيمة تقسم أربعة أخماسها للغزاة وخمس للمصالح العامة المذكورة في الآية، لكن عمر - رضي الله عنه - رأى إن قسم الأرض وأعطاها للغزاة فإنه بذلك يحرم من بعدهم وغيرهم من هذه الأرض حيث تتركز في يد فئة قليلة، وكذلك تحرم الأمة الأموال التي يمكن من خلالها سد حاجة الأمة خاصة المجاهدين على الثغور؛ لذا رأى عمر أن تبقى الأرض في يد أهلها، ويجري عليهم الخراج، وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت