الصفحة 5 من 35

المبحث الثاني:: أسباب التأويل ودوافعه

التأويل خلاف الأصل إلا أن هناك أسبابًا تقتضيه، أو دوافع تلجئ إليه، بعض هذه الأسباب أو الدوافع حقيقي، وبعضها وهمي أو مغرض لتحقيق مآرب معينة من خلال اتخاذه منهجًا حال التعاطي مع النصوص الشرعية، ويمكن تلخيص هذه الأسباب في الأمور التالية:

أولًا: طبيعة اللغة ومرونتها وتنوع أساليبها في الدلالة على المعاني.

المعلوم أن اللغة العربية تتسم بالاتساع في التعبير والمرونة في تعاطيها مع المعاني، وتتسع للمعاني المجازية، إضافة إلى التطور في استعمال اللغة وانتقال كثير من المفردات من المعنى الحقيقي إلى المعنى العرفي أو الشرعي، كل هذه العوامل التي تميزت بها اللغة العربية فتحت المجال واسعًا للتعاطي مع التأويل كوسيلة لفهم القرآن والسنة اللذين لا يفهمان إلا من خلال فهم لغة العرب ولسانهم وأساليبهم، وما دامت أساليب العرب متنوعة في التعبير عن المعاني، إذا لا بد من التعاطي مع هذه الأساليب خلال فهمنا للنصوص التشريعية. [الرازي 89،: 113 وما بعدها؛ الصالح، 81: 292 وما بعدها]

ثانيا: دفع التعارض الظاهري بين الأدلة.

أحيانًا يقع تعارض ظاهري بين النصوص التشريعية، ويقتضي هذا التعارض نوعًا من الترجيح بين نصوصها، أو التوفيق بينها، وهذا لا يتأتى إلا بنوع تأويل لبعض النصوص كتخصيص العام أو تقييد المطلق، ومن أمثلته ما ذهب إليه ابن مسعود في مسألة الحامل المتوفى عنها زوجها، حيث تعارضت ظاهريًا آيتان في الدلالة على عدتها، وهي قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» [البقرة: من الآية 234] وقوله تعالى: «وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ» [الطلاق: من الآية 4] فالآية الأولى تقتضي أن تكون عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا سواء كانت حاملًا أم لا، والآية الثاني تقتضي أن المرأة الحامل تنتهي عدتها بوضعها للحمل وهي مطلقة، فرأى ابن مسعود أن الآية الأولى تقتصر على المتوفى عنها زوجها غير الحامل، أما إذا كانت حاملًا فنهاية عدتها وضعها للحمل.

فهذا تخصيص من ابن مسعود - رضي الله عنه - للآية الأولى، والتخصيص نوع تأويل، والدافع لهذا التأويل دفع التعارض الظاهري بين الآيتين.

ثالثا: قد يكون التأويل رد فعل لظاهرة المغالاة في التمسك بالظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت