الصفحة 28 من 35

النصوص عن مدلولها المراد؛ حيث بدأت الخوارج سلوك منهجها من خلال قاعدة لا حكم إلا لله، وهذه القاعدة وإن كانت حق في مدلولها إلا أنها كانت وسيلة لتقرير تأويلات كثيرة باطلة استبيح بسببها الدماء والأموال، وحمّلت ظاهر كثير من النصوص على غير محملها، و عمقت الشرخ في لُحمة المسلمين، وهذه المحصلة وجدناها عند الفرق التكفيرية، وذلك بإخضاع النصوص إلى قواعد مسبقة، تم الحكم من خلالها على المجتمع بأسره، وما يترتب على ذلك من تأويل لكل النصوص التي تتعارض وتلك القاعدة أو محصلتها.

المبحث الخامس: أثر التأويل على الاختلاف الفقهي

الناظر إلى التأويل في الجانب الفقهي يجد أنه مغاير تمامًا للتأويل في الجانب العقائدي والفكري؛ حيث إنه في الفقه أكسبه مرونة وتطورًا ومسايرة للمستجدات عبر العصور المتلاحقة، ودخل في باب اختلاف التنوع، بينما في العقائد كان سببًا للفرقة والشرذمة و اختلاف التضاد المفضي للخلاف المذموم بين أفراد الأمة، ولعل السبب في ذلك أن النصوص الشرعية قد أفاضت الحديث في أمور العقيدة مقررة لها ومبينة لكل متعلقاتها، ومن هنا نجد أن أكثر نصوصها يدخل في باب قطعي الدلالة، وما خفي منها مما يعرف بالمتشابه، فالراجح أنه لا مجال للعقل لقصوره في الخوض فيها لأنها خارج قدراته وحدوده، يقول العز بن عبد السلام: «وأما مصالح الآخرة ومفاسدها فلا تعرف إلا بالنقل» [ابن عبد السلام، 80: 1/ 8]

ويقول الشاطبي تعقيبًا على حديثه عن مصالح الآخرة وطرق إدراكها: «وهذا كله حسبما جاء في الشريعة؛ إذ ليس للعقل في الأمور الأخروية مجال.» [الشاطبي: 2/ 22]

أما في الفقه فقد اختلف الأمر؛ حيث فتح المجال للاجتهاد بالرأي فيه لتعلقه بالأمور العملية الحياتية التي يستطيع العقل إدراك وجه المصلحة الشرعية فيها؛ لذا كان للعقل والرأي والاجتهاد مدخل في التعاطي معه، ومن هذا الوجه جاءت أكثر النصوص الفقهية في باب الظني الدلالة، وهذا ما أكسبها مرونة عززتها طبيعة اللغة العربية وتنوع دلالاتها.

ولعل من الأمثلة الدالة على التعاطي مع معنى النص دون اللفظ وهو محصلة التأويل ما ورد في العهد النبوي عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت