الصفحة 27 من 35

يدرك كنهه؛ لأن إدراكه يدخل في دائرة الغيب فكيف بإدراك صفات الله وأسمائه التي هي فرع عن إدراك ذات الله؛ لذا كان السلف الصالح أكثر رسوخًا في العلم بتفويضهم في الأسماء والصفات لعلمهم أن معرفة حقيقتها خارج عن دائرة البشرية في الدنيا.

تشير الدكتورة إنشاد عبية إلى منشأ ضلال الفلاسفة من خلال التأويل بقولها: «وعلى ذلك فهل نجحت العقلية المشائية الإسلامية في محاولتها التوفيق بين الدين والفلسفة؟ نقول إذا أصابها بعض النجاح في بعض محاولاتها فقد أصابها الإخفاق في البعض الآخر، فذلك كله مرجعه إلى تشبع هؤلاء المحاولين بالأفكار الفلسفية أولًا، وبعجز العقل البشري ثانيًا فإنه مهما أوتي هذا العقل من رجاحة فكر، فله حدود يجب أن يعرف مداها، ولا يتخطاها.» [عبية: 83]

تأويل أملاه تقرير القواعد وإخضاع النصوص لها:

وهذا كان ملاحظًا عند علماء الكلام، حيث اعتمدوا في إقامة براهينهم على الأساس المنطقي لا الحسي، ومنشأ الإشكال في طريقتهم ليس في اعتمادهم على قواعد منطقية فقط، وإنما في اعتمادهم على قواعد لم تكن مستنبطة أساسًا من القرآن والسنة مما أدى إلى نتائج مخالفة لعقائد الصحابة والسلف، ومن هذا الوجه جاء ذم الكلام وأهله على لسان كثير من أهل السلف، بل على لسان كثير من المتكلمين بعدما خاضوا غمار هذه التجربة ورأوا نتائجها، ورد عن الشافعي رحمه الله أنه قال: «لأن يبتلى العبد بكل شيء نهى عنه غير الكفر أيسر من أن يبتلى بالكلام، وقال لحفص الفرخ: أنا أخالفك في كل شيء حتى في قول لا إله إلا الله، أنا أقول لا إله إلا الله الذي يرى في الآخرة، والذي كلم موسى تكليمًا، وأنت تقول لا إله إلا الله الذي لا يرى في الآخرة ولا يتكلم.» [ابن القيم، 87: 4/ 248] وقال أبو المعالي الجويني: «ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى والذي نرتضيه رأيًا وندين الله به عقد إتباع سلف الأمة، فالأولى الإتباع وترك الابتداع.» [ابن القيم [87: 4/ 246] وقال الغزالي: «الصواب للخلف سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل والتصديق المجمل، وما قاله الله ورسوله، بلا بحث وتفتيش.» [ابن القيم [87: 4/ 247] فهذه النصوص صريحة في بيان نهج السلف في اقتصارهم على التفويض والوقوف عند حدود العقل ومجاله مقرين بأن البحث فيما وراء ذلك يدخلهم في الزلل والشك والتأويلات المستكرهة.

كذلك نلاحظ تقعيد القواعد وإخضاع النصوص بموجبها عند الخوارج والفرق التكفيرية لكن بوجه آخر يختلف عن طريقة أهل الكلام، يختلف في المنهجية ويتفق في المحصلة وهو إخراج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت