الأشعري موضحًا رأيه في المعتزلة، وقد كان على طريقتهم ثم انشق عنهم: «فإن أهل الزيغ والتضليل تأولوا القرآن على أرائهم، وفسروه على أهوائهم، تفسيرًا لم ينزل الله به سلطانًا، ولا أوضح برهانًا ولا رووه عن رسول رب العالمين، ولا عن أهل بيته الطيبين، ولا عن السلف المتقدمين من الصحابة والتابعين افتراء على الله.» [الذهبي، 89: 1/ 363]
أما الأشاعرة فكانوا أهون خطبًا من المعتزلة وأكثر أدبًا مع الله وأقرب من هدي السلف الصالح إلا أن تعاطيهم مع الأسماء والصفات ترتب عليه تعطيل لكثير من الصفات، وكان الأسلم لهم التفويض لا التأويل فقولهم أن لفظة استوى معناها استولى كما هو ملاحظ لم يخرجنا من المتاهة العقلية التي يزعمها أهل الكلام؛ بل أقحمونا فيها حقيقة أكثر من اللفظ المفسر عينه، ويجر ذلك إلى أسئلة كثيرة لمعرفة المقصود بالاستيلاء .. إلخ، يقول ابن تيمية: «أما التأويل المذموم والباطل، فهو تأويل أهل التحريف والبدع الذي يتأولونه على غير تأويله، ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله بغير دليل يوجب ذلك، ويدعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحذور اللازم فيما أثبتوه بالعقل، ويصرفونه إلى معانٍ هي نظير المعاني التي نفوها عنه، فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه.» [ابن تيمية، 3/ 67]
فهل طريقة المتكلمين أسلم في بيان المراد بالاستواء أم تفويض السلف خاصة إمام دار الهجرة الإمام مالك عندما سئل عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، أو قول ربيعة شيخ مالك: «الاستواء معلوم والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان.» [المرجع السابق: 3/ 58]
صحيح أن طبيعة مجازية اللغة تحتمل بعض تأويلات علماء الكلام إلا أنها ليست الطريقة الأسلم لفهم النص الديني المتعلق بالعقائد والأمور الغيبية التي لا مجال للعقل في إدراك حقيقتها أو كنهها، لذا يصار إلى التفويض كما هو هدي السلف الصالح، وإن قيل في هذا المقام أن التفويض نوع عجز، نقول: وهذا هو عين الرسوخ في العلم لما يتضمن من إقرار بحقيقة يغفل عنها الإنسان وهي قصوره وعجزه الذي جبل عليه فإن تجاوز الإنسان هذه الحقيقة مدعيًا كمال العقل وقدرته على الخوض في جميع المجالات سواء كانت تحت دائرة المحسوس أو تجاوزتها إلى سواه عندها استحق صفتي الظلوم لإقحامه العقل في غير مجاله الجهول بحدود قدرته وطاقات عقله التي أنيطت به.
والعقائدي في العهد الحديث و المعاصر