لقد كان للفرق القديمة ودواعي التأويل لديها والأرضية الفكرية عندها الأثر المباشر في العقلية الحديثة والمعاصرة، ففكر الخوارج ما زال موجودًا في عدة مواطن وإن كان أكثر اعتدالًا من الخوارج السابقين، هذا من حيث المسمى لفرقة بخصوصها، أما طريقة تفكير الخوارج فقد تحورت ضمن أسماء جديدة، لعل من أبرز تطبيقاتها المعاصرة هي الفرق التكفيرية، التي وقعت فيما وقع فيه الخوارج مع اختلاف الدواعي، فتقعيد قاعدة معينة ثم إخضاع النصوص الشرعية لهذه القاعدة وتأويل ما يخالفها كان أحد معالم الفكر الخوارجي وأصبح أحد معالم الفكر التكفيري الذي انطلق من قاعدة: «من لم يكفر الكافر أو شك في كفره فهو كافر.» وترتب على هذه القاعدة وغيرها عدة تأويلات للنصوص أوصلت هؤلاء إلى درجة تكفير الأمة بأكملها إلا من حمل فكرهم، وترتب على ذلك تأويل الأدلة الخاصة بحرمة الدماء والأموال باعتبارها خاصة بمن ينتحل نحلتهم، وهذا اقتضى إباحة دماء الغير وأموالهم. [أحمد، 91: 44 وما بعدها]
وأما فرق الشيعة والباطنية فمازالت موجودة، وتسير على نهج أصولها القديمة في التأويل المخرج للنصوص عن حقيقتها، أما المدرسة العقلية القديمة المتمثلة بعلماء الكلام والفلاسفة، فهذه لها وجود معاصر بأشكال متعددة، أذكر منها إحدى هذه المدارس الواضحة الأثر على الفكر الإسلامي وهي المدرسة العقلية المتمثلة بمحمد عبده وتلاميذه إلى يومنا المعاصر، فهذه المدرسة بالرغم من إيجابياتها المتعددة على صعيد الفكر الإسلامي، إلا أن لها عدد من السلبيات في التأويل على وجه الخصوص بغرض التوفيق بينه وبين مقتضيات العلم والعقل بظنهم، ومن تأويلات هذه المدرسة والتي تؤخذ عليها، تأويل محمد عبده للملائكة أنها القوى الروحانية المبثوثة بالمخلوقات، وتأويله إباء إبليس واستكباره عن السجود بأنه تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وخواطر السوء داخله [الذهبي، 89: 2/ 546] ، فالملاحظ من هذا التأويل أنه إبطال لحقيقة إبليس والملائكة.
أما تأويلات الملاحدة في الفرق الباطنية والفلاسفة فوجدناه في صورة التأويل الإلحادي المعاصر الذي يهدف إلى هدم التشريع الإسلامي بأكمله من خلال تأويل النصوص لتتفق ومذهب المؤول ومن أمثلته تأويل الآيات الخاصة بالحدود باعتبار أن قطع يد السارق أو جلد الزاني إنما هو للجواز لا للوجوب، أو إنكار الجن وتأويل الآية الخاصة باستماع نفر من الجن للقرآن بأن الجن في الآية هو اسم لقبيلة عربية، و من الأمثلة على التفسير الإلحادي للنصوص كتاب الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن، والذي تضمن تأويلات متعددة تناول بعضها إنكار معجزات الأنبياء بحجة مخالفتها لسنن الطبيعة والكون، وإنكاره للملائكة والشياطين، وتأويله المتعلق بالحدود كالزنا مثلًا فإنه لا يرى الحد على أي زانٍ أو زانية، بل أول الآية بأنه يقصد بها من كان عادته