اختصاصهم في معرفة تأويل المتشابه، يقول ابن رشد الفيلسوف: «والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فيه هو تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينهم.» [بدوي، 95 1/ 128] «وإذا لم يكن أهل العلم يعلمون التأويل لم تكن عندهم مزية تصديق توجب لهم الإيمان به ما لا يوجد عند غير أهل العلم، وقد وصفهم الله بأنهم المؤمنون به، وهذا إنما يحمل على الإيمان الذي يكون من قبل البرهان.» [المرجع السابق 1/ 130]
والصحيح في هذه المسألة القول بأن المتشابه مما استأثر بعلمه الله سبحانه وتعالى، ويكون ذكر الراسخين وفضيلتهم في الآية بتسليمهم من خلال إيمانهم الراسخ بأن ما أدركوا معانيه من الآيات المحكمات، وما كان خارج حدود قدراتهم وعقولهم من المتشابه هو من عند الله سبحانه وتعالى وجب الإيمان به جميعًا، ووفق هذا المعنى يكون المتخوضون في المتشابه قد حرموا فضيلة الرسوخ في العلم، يقول السرخسي: «الراسخ في العلم من يؤمن بالمتشابه، ولا يشتغل بطلب المراد فيه بل يقف فيه مسلمًا .. وهذا لأن المؤمنين فريقان، مبتلى بالإمعان في الطلب لضرب من الجهل فيه، ومبتلى بالوقوف في حد الطلب لكونه مكرمًا بنوع من العلم ومعنى الابتلاء من هذا الوجه ربما يزيد على معنى الابتلاء في الوجه الأول؛ فإن في الابتلاء بمجرد الاعتقاد مع التوقف في الطلب بيان أن العقل لا يوجب شيئًا و لا يدفع شيئًا؛ فإنه يلزمه اعتقاد الحقية فيما لا مجال لعقله فيه ليعرف أن الحكم لله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.» [السرخسي، 73: 1/ 169]
لا يتسع مجال البحث للخوض في تفاصيل ظاهرة التأويل عند غير المسلمين؛ لذا سأقتصر على رجلين من رموزه قبل الإسلام مبرزًا مناهجهم فيه بما يخدم موضوع البحث وذلك
على النحو التالي:
فيلون الاسكندراني: رجل دين يهودي، وفيلسوف من فلاسفتهم له باع واسع في التأويل المجازي لنصوص التوراة لكي تتسع لأفكار الفلسفة الإغريقية السائدة في زمانه.
فقد تأثر فيلون بالنظريات الفلسفية في زمانه، وشرع في تأويل نصوص التوراة تأويلًا مجازيًا بنقلها من كتاب ديني محض إلى كتاب رمزي يحوى كل ما هو حق - في تصوره - في الفلسفة والتاريخ والحكمة، لذا اعتمد المنهج الرمزي للنصوص حيث اعتبر الكلمات المبرزة للتشريع كالجسم بالنسبة للإنسان، أما الروح فهو تلك المعاني التي لا ترى من خلال تلك الكلمات أو