الصفحة 14 من 35

معانيها الظاهرة، بل من خلال تأمل روحها الخفية القابعة خلف العبارات، وأهل التأويل يسترشدون لتلك الروح الخفية مبتدئين بإشارات غير ذات دلالة، ثم بعد ذلك يحصل رؤية الأمور الخفية من خلال الأشياء المرئية.

وكان لأفكار فيلون الأثر الواضح في التأويل الرمزي للتوراة خاصة في الأسفار الخمسة الأولى، وبدأ يحمل التأويل تفسيرات مجازية طبيعية وفلكية، ويمتد إلى كل الشريعة، فشجرة الحياة في الجنة أصبحت تمثل في رأي بعض المؤولين الأرض والشمس، وآباء إبراهيم الذي التفت إليهم ساعة موته هم إما الأجرام السماوية أو العناصر التي ينحل منها كل ما هو مركب من الموجودات، وفي حياة إبراهيم نفسه نرى فيلون يؤول تغيير اسمه من أبرام إلى إبراهيم بأنه رمز للانتقام من علم النجوم إلى معرفة نفسه ومعرفة الله.

والناظر لتأويلات فيلون يجدها تنحى منحى رمزيًا حتى في المعاني الظاهرة فحواء مثلًا كناية عن الحس والحياة كناية عن اللذة، ولقد نفى عن الله جميع الصفات التي وصفته بها التوراة، فالله في نظره لا يمكن أن يتصل في العالم.

وبسبب هذه الفلسفة ظهر عند اليهود طائفة القبالية نسبة إلى القبالة، وهو كتاب فيه التأويل الخفي للتوراة، وأهم ما تميز به هذا الكتاب هو سرية التعاليم، وإمكان فك رموز التوراة، وكذلك رمزية الأعداد والحروف.

والملاحظ أن دواعي فيلون من هذا التأويل هو المحافظة على الشريعة تبعًا لما كان عليه المذهب التوفيقي الأسطوري للاسكندرانيين.

أوريجون: وهو من رجال الدين المسيحيين، وقد سلك في تفسيره للإنجيل مسلك التأويل متأثرًا بمذهب فيلون؛ لذا فسر الإنجيل حرفيًا للعامة، وفسرها أخلاقيًا للمتقدمين، وفسرها تفسيرًا آخر رمزيًا لأهل العقول الفائقة معتمدًا في ذلك - حسب زعمه - على البصيرة والتجلي والإشراق، وسيرًا على نهج فيلون والأفلاطونية الحديثة. [عبية: 66؛ الخطيب، 84: 31]

هذان معلمان من معالم التأويل عند اليهود والنصارى، ولعل هناك دواعي قوية عند أصحابها للقيام بمثل هذه التأويلات، وهي ما حوته التوراة والإنجيل من تناقضات نجمت عن تحريفهما؛ إلا أن أفكار فيلون وأريجون وغيرهما قد تسربت إلى المسلمين؛ ودخل التأويل الرمزي والتأويلات الباطلة لكثير من النصوص ومن درس تأويلات الفرق الباطنية وبعض غلاة الشيعة والصوفية يجد مدى التطابق في المنهج بينهم وبين أفكار فيلون ومدرسته وخلاصات تأويلات الفريقين، وكأنهم يستقون من نبع واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت