الصفحة 8 من 35

المعنى الحقيقي، وهذا الشرط أو الضابط هو الفيصل الحقيقي بين التأويل المقبول والتأويل المردود، ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى: «وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ... » [النساء: 2] فإن ظاهر الآية يفيد وجوب إعطاء اليتامى أموالهم، واليتيم يطلق في اللغة على من فقد أباه ولا يزال دون سن البلوغ.

ويعارض هذا المعنى الظاهر لكلمة اليتامى قوله تعالى: «وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ .. » [النساء: من الآية 6] فهذا الآية صريحة على أن دفع مال اليتامى إليهم لا يكون إلا بعد بلوغهم سن البلوغ والنكاح، وإيناس الرشد منهم، وهذا المعنى يتعارض ظاهريًا مع معنى الآية الأولى؛ فوجب أن تؤول الآية ويحمل لفظ اليتامى فيها إلى معناه المجازي لا الحقيقي؛ أي يراد به البالغون الذين كانوا يتامى على سبيل المجاز المرسل.

فصرف كلمة اليتامى من معناها الحقيقي إلى المجازي هو تأويل اقتضاه التعارض الظاهري بين الآيتين، ويعضده دليل صحيح قوي أرشد إليه صريح الآية الثانية.

رابعًا: أن يكون اللفظ محتملًا للمعنى الذي آل إليه.

يشترط في اللفظ أن يكون محتملًا للمعنى الذي آل إليه لغة إما بطريق المنطوق أو المفهوم أو المجاز، أو يكون محتملًا على أساس الحقيقة العرفية أو الشرعية، ولا يجوز العدول عن المعنى الظاهري إلى معنى آخر لا علاقة لغوية أو عرفية أو شرعية بينه وبين اللفظ، وعدم اعتبار هذا الشرط هو الذي أوقع الفلاسفة والباطنية وبعض فرق الصوفية في شطحاتهم التي عرفوا بها، ومن الأمثلة على تلك التأويلات الباطلة التي افتقدت هذا الشرط تأويل الفرقة الباطنية الإسماعيلية لقوله تعالى: «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا» [نوح 10 - 11] فمعنى استغفروا ربكم؛ أي أسألوه أن يطلعكم على أسرار المذهب الباطني ومعنى يرسل السماء عليكم مدرارًا أن السماء هي الإمام والماء المدرار العلم ينصب من الإمام إليهم .. إلخ

فالملاحظ من هذا التأويلات عدم وجود أي علاقة بين هذه المعاني التي اختلقوها وبين ظواهر الألفاظ أو متعلقاتها، بل هي من شطحاتهم التي تحول النصوص الشرعية البينة والواضحة إلى طلاسم ورموز كهنوتية، وإلى ألغاز لا يحل شفرتها إلا من كان على طريقتهم.

خامسًا: أن لا يتعارض مع النصوص قطعية الدلالة، أو يخالف قاعدة شرعية مجمع عليها بين العلماء والأئمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت