الصفحة 6 من 35

لعل من الأمثلة الدالة على هذا الدافع ما روي عن أبي عامر القرشي، وهو أحد المجسمة عند قول الله سبحانه وتعالى: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ» [القلم:42] ؛ حيث فسرها بقصد دفع التفسير المجازي فضرب على ساقه، وقال ساق حقيقية شبيهة تمامًا بهذه. [عبية: 58]

فهذه العقلية المغالية وأمثالها في تعاطيها مع ظواهر الأشياء وإنكارها للمجاز في القرآن، قد دفعت البعض للتأويل أو التوسع به من باب تنزيه الله عن كل ما لا يليق بذاته العلية، إلا أن هؤلاء قد أطلقوا العنان للعقل، وأخرجوه من دائرة حدوده إلى درجة تعطيل كثير من الصفات الثابتة كما سيتضح.

رابعًا: التحرر من النص الديني بغرض التوفيق بينه وبين الرأي الذي يحمله المؤول.

وهذا السبب يعتبر من أخطر الأسباب المفضية للخلاف الفكري والمذهبي والعقائدي؛ حيث يخضع كل واحد من أصحابه النصوص الشرعية لأفكاره المسبقة، فيؤول النصوص وفقًا لما يمليه الهوى كما حصل للشيعة والفرق الباطنية وغلاة الصوفية، أو العقل في خارج حدوده وقدراته كما حصل للفلاسفة وغلاة علماء الكلام، وسيتضح لنا خلال مبحث أثر التأويل في الاختلاف الفكري والعقائدي مدى حظ هذا السبب منه.

خامسًا: الرغبة في تعميق صريح النص ابتغاء العمق في الآراء التي يحتويها.

وهذا الدافع لا يقل خطورة عن سابقه، خاصة في علم العقائد؛ حيث التعمق في مسائله وإقحام المنطق وعلم الكلام فيه أخرج التوحيد عن حيويته، وحوله إلى قوالب جامدة فاقدة لأصالتها وجديتها وأثرها في إصلاح المجتمع، إضافة إلى الوقوع في الزلل والشطط والشك الذين كان من حظ الواقعين فيه.

يضاف إلى ذلك تلك الإشارات البعيدة التي كان يستقصيها غلاة الصوفية ابتغاء الغوص وراء بحر النصوص، فما سلمت سفنهم ولا أنفسهم، وخلصوا إلى تأويلات أخرجت النصوص عن حقيقتها، وغرقوا في بحر من الأوهام ظنًا منهم أنهم قد وصلوا للحقيقة التي حرم منها العوام.

الأصل حمل الكلام على حقيقته، والعدول عن المعنى الظاهر إلى غيره خلاف الأصل، وفيه إخراج للغة عن كونها وسيلة للتفاهم والتواصل.

وحقيقة التأويل المتعلقة بالمعاني لا الألفاظ تجعله خلاف الأصل؛ لأنه يخرج الألفاظ عن مدلولاتها الظاهرة إلى غيرها أقل احتمالًا في الدلالة؛ لذا لا بد من شروط وضوابط تضبط التأويل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت