تعتبر المعتزلة من أهم فرسان الكلام، والذي دفعهم لسلوك طريقتهم الكلامية الفلسفية هو دفاعهم عن الإسلام، خاصة في وَسَطٍ تسربت فيه أفكار الفلسفة اليونانية وأفكار كثير من الملاحدة فانبروا للدفاع عن دين الله، وكانت لهم جهود إيجابية لا تنكر؛ إلا أن منشأ ضلالهم هو عينه منشأ ضلال الفلاسفة مع اختلاف في جهة التلقي والدوافع، فالمعتزلة كالفلاسفة نزهوا العقل وأعطوه سلطانًا فوق سلطانه، بل اعتبروه حاكمًا على الشرع؛ لذا قرروا قاعدتهم المشهورة: ما حسنه العقل فهو حسن وما قبحه العقل فهو قبيح، وبذا خالفوا أهل السنة الذين أكدوا على قاعدة مغايرة وهي: ما حسنه الشرع فهو حسن وما قبحه الشرع فهو قبيح.
إذًا منشأ ضلال المعتزلة كان في اعتبارهم العقل حاكمًا على الشرع، وتفرع على ذلك أنهم تناولوا أصولهم الخمسة [التوحيد - العدل - المنزلة بين المنزلتين - الوعد والعيد - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] من خلال حاكمية العقل، فأصلهم الأول التوحيد استلزم عندهم تنزيه الله عن كل ما لا يليق وفق تصورات العقل وتقريراته لديهم، لذا أولوا أكثر صفات الله، وأثبتوا لله الأسماء وسلبوا عنه الصفات فهو سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وأقحموا المجاز في أكثر آيات الصفات، فصفة الرضا تأولوها بإرادة الإحسان، والغضب تأولوها بالانتقام، وأنكروا أن يكون لله عرش حقيقة وتأولوه بالملك، والكرسي بالعلم، واليدان بالقوة والنعمة، وأنكروا نزول الله إلى السماء الدنيا، وقال بعضهم بعدم تجويز اسم الوكيل على الله. [عمارة، 95]
وكان لقولهم بأصل العدل أن اعتقدوا أن الله ليس خالقًا لأفعال العباد الاختيارية، و استلزم ذلك القول بأن أفعال العباد تقع بغير مشيئة الله سبحانه وتعالى، أو يقع في ملكه ما لا يريد، وقولهم بالوعد والوعيد استلزم رفضهم الاعتقاد بأن الله يعفو عمن توعدهم من العصاة؛ لأنه لا يخلف الميعاد، فلا يعفو عمن يشاء ولا يغفر لمن يريد تعالى الله سبحانه وتعالى عن هذا الافتراء، وقولهم بالأمر والمعروف استلزم عندهم بضرورة إلزام الغير بما التزموا به، وكان لهذا الفهم أثره في محاولتهم إجبار الجميع بقولهم بخلق القرآن وما جر ذلك من فتن وتعذيب وفرقة وشرذمة، وما فتنة الإمام أحمد ونعيم بن حماد وغيرهم ببعيد. [القيسي، 85: 26 وما بعدها]
خلاصة القول في المعتزلة أنهم تعاطوا مع نصوص الوحيين من خلال أصولهم الخمسة ضمن حاكمية العقل، وكان لذلك أثر واضح في خروجهم عن هدي السلف الصالح بتأويلات تتضمن سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى كقولهم يجب على الله أو يحرم عليه، وتعطيل كثير من صفاته، وإقحام المعاني المجازية في غير ضرورة في تفسيرهم للكتاب والسنة، يقول الإمام