بهذا الحكم قد خالف ظاهر الآية للمصلحة العامة، والسنة العملية للنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قسم خيبر على فاتحيها، وعلل رأيه بقوله: «فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فما يسدد به الثغور وما يكون للذرية والأرامل.» [الخضري، 81: 124] ويقول أبن سلام موجهًا رأي عمر: «أراه أراد أن تكون فيئًا موقوفًا للمسلمين ما تناسلوا يرثه قرنًا بعد قرن، فتكون قوة لهم على عدوهم.» [ابن سلام، 88: 74] وقد حصل جدال بين الصحابة في ذلك واستقر رأي أغلبيتهم على الأخذ برأي عمر رعاية للصالح العام، طبعًا لا يقال هنا أن عمر - رضي الله عنه - قد خالف الآية أو فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بغنائم خيبر، بل غاية الأمر أنه وجد أن هذه المسألة تخضع لرأي الإمام المنوط بالمصلحة العامة، وتأول الآية مرجحًا عليها المبادئ العامة للتشريع القاضية بتغليب المصلحة العامة على المصالحة الخاصة إذا تعارضًا، ويرى ابن سلام أن عمر - رضي الله عنه - قد أخذ بظاهر مجموع آيات الفيء في سورة الحشر من الآية [الآيات من 8 - 10] متأولًا المراد بها بأنه يراد به أن يعم الفيء الغانمين ومن جاء بعدهم؛ أي أن عمر كان يرى أن المسألة غير قطعية ومتعلقة بالمصلحة التي يراها الإمام، يقول ابن سلام: «ومما يبين ذلك أن عمر نفسه يحدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قسم خيبر ثم يقول: (لولًا آخر الناس لفعلت ذلك) فقد بين لك هذا أن هذين الحكمين جميعًا إليه، ولولا ذلك ما تعدى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غيرها وهو يعرفها» [المرجع السابق: 80] . و كلام ابن سلام الأخير يشير إلى أن عمر - رضي الله عنه - كان يرى أن هذه المسألة بخصوصها يخير الإمام فيها بحسب المصلحة إن شاء قسمها وإن شاء أقر أهلها وصرف خراجها في مصالح المسلمين.
وقد أشار الدريني إلى بعض الدلالات التي يمكن استخلاصها من تأويل عمر - رضي الله عنه - والتي ترشد إلى بعض خصائص التأويل الفقهي ومعالمه، أذكرها بتصرف على النحو التالي:
أ لم يكن عمر - رضي الله عنه - يستند في اجتهاده إلى دليل خاص يخصص به عموم الآية، بل استند إلى روح التشريع ومبادئه العامة التي ترجح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
ب تأويل يعمر لا يتعلق هنا بألفاظ الآية، وذلك بصرف لفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر له يحتمله، وإنما يتعلق بمعناها، ومن هنا لم يتجه التأويل هنا إلى منطق اللغة وحده بل إلى مراد الشارع استنادًا للمصلحة العامة.
ت عمر - رضي الله عنه - بصفته الرئيس الأعلى للدولة حكم في المسألة بالنظر إلى ما تؤول إليه من نتائج؛ أي إن مآل التطبيق ونتائجه في الظروف القائمة في عهد عمر مما له مساس بالمصلحة العامة كان ذا أثر بالغ في تكييف الحكم.