بالحرف عنه قال سيبويه:"وتقول غفلت، أي صرت غافلًا، وأغفلت إذا أجزت أنك تركت شيئًا ووصلَت غفلتك إليه. وإن شئت قلت: غفل عنه فاجتزأت بعنه عن أغفلته، لأنك إذا قلت عنه فقد جزت بالذي وصلت غفلتك إليه. ومثل هذا: لطف به وألطف غيره، ولطف به كغفل عنه، وألطفه كأغفله" [1] .
ويصرح ابن فارس بأن باء التعدية في مثل ذهبت به بمعنى"أذهبته" [2] ، ويذهب ابن بابشاذ إلى أن المثال المشهور"مررت بزيد"هو في مقابلة أمررت زيدًا [3] ، منصرفًا عن المعنى الآخر لهذا المثال وهو ألصقت مروري بزيد، أي: أن معنى الاصطحاب غير مفهوم هنا، ولعل الذي دعاه إلى قول ذلك هو الإيمان الشديد بتساوي المعنى في التعديتين: الهمزية والبائية.
ينسب ابن عصفور إلى المبرد [4] التفريق من حيث المعنى بين الهمزة والباء، يقول ابن عصفور"وهي عندنا بمعنى الهمزة خلافًا للمبرد، فإنه يفرق بينهما في المعنى، فإذا قلت: أقمت زيدًا، فالمعنى جعلته يقوم ولا يلزمك أن تقوم معه، وإذا قلت: قمت بزيد فالمعنى جعلته يقوم وقمت معه، فما بعد الباء يشترك عنده مع الفاعل فعله. وليس كذلك المفعول المنقول بالهمزة" [5] .
ويخالف الفارسي مذهب المبرد ويورد من الشواهد ما يعده الجرجاني ردًّا على مخالفه، وأفاض الجرجاني في بسط القضية والاحتجاج لها، فبدأ بأن ذكر أن للتعدي بالباء في نحو"ذهبت بزيد"وجهين: أحدهما أن تريد أنك صاحبته [6] واستشهد بقول امرئ القيس:
خَليلَيَّ مُرّا بي عَلى أُمِّ جُندَبِ ... نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ
والثاني: أنك لا تكون صاحبته وإنما نجيته وأزلته عن مكانه، ثم ذكر الآية التي استشهد بها أبو علي الفارسي وهي قوله تعالى: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} [43 - النور] ثم قال: إن الأبصار ليست أشخاصًا ولا البرق كذلك، ولذلك يمتنع تصور المصاحبة، وإنما المعنى أن البرق
(1) سيبويه، الكتاب، 4: 62.
(2) ابن فارس، الصاحبي، ص 106.
(3) ابن بابشاذ، المقدمة المحسبة، ص 368 - 369.
(4) وينسب المرادي هذا أيضًا إلى المبرد والسهيلي. انظر: الجنى الداني، ص 38.
(5) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 493.
(6) الجرجاني، المقتصد، 1: 592.