يكاد يزيل نور البصر. وعليه"فلا فصل بين أن تقول: ذهب ببصره، وبين أن تقول: أذهب بصره، وإذا كان الأمر على هذا ثبت أن الباء والهمزة بمنْزلة واحدة، وأن المصاحبة لا تجب في واحد منها، فكما أنك إذا قلت أذهبت زيدًا لم يجب أن تكون صاحبته كذلك إذا قلت: ذهبت بزيد، وإنما ذلك على الجواز في الموضعين". ثم ذكر أن أبا علي قد أورد الآية ردًّا على مخالفيه ثم ذكر الرأي المخالف فقال:"إن الباء توجب المصاحبة وأنك لا تقول: ذهبت بزيد حتى تكون صحبته، لأجل أنه لو كان يوجب المصاحبة لوجب أن لا يجيء فيما يستحيل فيه ذلك، ألا ترى أنك لا تقدر على أن تقول: إن البصر صاحب البرق. فإن قلت إن المعنى أن البرق يزول فيزول معه الإبصار حتى كأنهما يتصاحبان على المجاز، فالجواب: أن هذا يبطل بقولهم: ذهبت الشمس ببصره، لأنه يعلم أن البصر مع بقاء الشمس زال وأنهما لم يتصاحبا في الانقطاع، ولو كان الأمر على هذا لوجب أن لا يقال: ذهب البرق ببصره، إلا بعد أن يزول البرق والبصر في زمان واحد. وهذا تعسف بارد" [1] . ثم ذكر الآية الأخرى وهي قوله تعالى: {مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} [76 - القصص] ثم قال:"فقوله ناءت العصبة بمنْزلة قولك: ثقلت في نهوضها، وإذا قلت: ناءت المفاتيح بالعصبة، كان بمنْزلة قولك أثقلتهم، فهو مثل قولك ذهبت الشمس ببصره وأذهبته" [2] ويفهم من البيت [3] ما يفهم من الآيتين فالمعنى تجعلنا نحل، فالشاعر"يذكر أنهم مروا بالمرأة وصادقوها في الموضع المذكور فشوقتهم وملكت قلوبهم حتى كادت تحلهم عن ظهورهم. وليس المعنى أنها كانت معهم فصاحبتهم في الحلول حتى تقول: إن قوله تحل بنا بمعنى تحل معنا. كما تقول في ذهبت بزيد: إن المعنى ذهبت معه" [4] .
أما ابن عصفور فبعد أن ساق قول المبرد ذكر حجة من ردوا قوله فقد احتجوا بقوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [20 - البقرة] .
والحجة في ذلك أن اللَّه لا يوصف بأنه ذهب مع سمعهم وأبصارهم. ونقض ابن عصفور هذه الحجة
(1) الجرجاني، المقتصد، 1: 593.
(2) الجرجاني، المقتصد، 1: 594.
(3) وهو البيت الذي استشهد به أبوعلي وهو قول قيس بن الخطيم:
دِيارَ الَّتي كادَت وَنَحنُ عَلى مِنًى ... تَحُلُّ بِنا لَولا نَجاءُ الرَكائِبِ
(الإيضاح، ص 169. والمقتصد، 1: 591) .
(4) الجرجاني، المقتصد، 1: 594.