الصفحة 45 من 75

بأن هناك احتمالين [1] : الأول كون فاعل ذهب (البرق) ، أي لذهب البرق مع سمعهم وأبصارهم، والاحتمال الثاني كون الله وصف نفسه على معنى يليق به سبحانه، كما وصف نفسه سبحانه بالمجيء في قوله {وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [22 - الفجر] .

ولكن ابن عصفور نقض قول المبرد ببيت امرئ القيس الذي استشهد به من قبل الفارسي. وهذه الأقوال من قبل النحويين أمور لا ينتهي منها العجب، وكأنهم يغفلون عن طبيعة اللغة وسلوكها وانتقالها من الاستعمال الحقيقي إلى المجازي، ولا أدري لِمَ غفل عبدالقاهر عن هذا الأمر فلم يبين المسألة على حقيقتها.

إن التركيب (مررت بزيد) يمكن أن يكون له ثلاثة استعمالات ويتحدد أحدها حسب السياق. أما الأول فعند التعبير عن التصاق المرور به، وفي هذه الحال الفاعل متحرك وزيد ساكن أو في حكم الساكن. والثاني مررت مصطحبًا إيّاه، فهو شريك في المرور، والثالث جعلته يمر فالفاعل ساكن ومدخول الباء متحرك. أما الأول فلا خلاف حوله، وإنما الخلاف في الثاني والثالث، وموطن الخلاف أنهما متفقان أي أن في كل منهما مصاحبة أم أن الثالث لا مصاحبة فيه؟ رأينا المبرد يذهب إلى وجود المصاحبة في الثالث والفارسي يرد ذلك، وإذا تمعنا في المسألة لا نجد هناك خلافًا، بل اختلافًا في النظرة إلى التركيب، فالمبرد ينظر إلى التركيب من حيث المنشأ والأصل، أما الفارسي فهو ينظر إلى التركيب الناحية الوظيفية أي من الناحية الإشارية المباشرة. وإذا أدركنا هذا عرفنا أن المبرد لا يمكن أن يقع في ذهنه أن في قوله تعالى {وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [20 - البقرة] دلالة على مصاحبة الله لسمعهم. ولكنه يشير إلى حقيقة مثل هذا التركيب وأصله، والأصل أن الذي يصطحب الشيء إنما يزيله وينقله من موضعه حقيقة، ثم استعمل مثل هذا التركيب للتعبير عن إزالة الأشياء الحقيقة أو غير الحقيقة أو المعنوية، وإن لم يحدث انتقال وهذا استعمال مجازي ليس غريبًا عن اللغة واستعمالاتها. ومن ذلك إسناد الفعل إلى ما لا يفعل في الحقيقة، مثل انكسر الغصن. فهذا التركيب يفترض أن الغصن قد كسر نفسه وهذا في الظاهر مستحيل، ولكن اللغة العريقة تحمل في ثناياها فلسفة أصحابها، فليس بعيدًا أن أصحاب اللغة كانوا ينسبون إلى الأشياء الأفعال مثل نسبتها إلى الإنسان نفسه، ويبدو لنا أن الحاجة إلى صيغة تعبر عن كسرِ مجهولٍ الغصنَ جاءت حديثة بعض الحداثة؛ ولذلك جاءت قياسية دقيقة محددة وذات بنية تمتاز من بنية الفعل المبنى للمعلوم.

الذي نريد أن ننتهي إليه أن التركيب مثل: ذهبت به يدل من حيث التركيب الأساسي على المصاحبة، ولكنه من الناحية الوظيفة المباشرة يدل على ما تدل عليه الصيغة المهموزة.

والذي يظهر لي أنه عند استعمال التركيبين للدلالة على الفعل الحقيقي وهو (الذهاب) أي الحركة

(1) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 494.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت