الصفحة 46 من 75

الانتقالية المعروفة تمتاز كل واحدة من الأخرىى فقولي: أذهبته أي جعلته يذهب، أي جعلته يقوم بهذه الحركة الانتقالية دون أن أنتقل أنا معه ولكن ذهبت به، فأنا قد قمت بالانتقال وصحبته فاكتسب بهذا المشاركة في الفعل.

أما عند استعمال الذهاب للدلالة على الزوال والفناء وما يتصل بهذا من الأفعال التي يكون الذهاب معها مجازًا وليس حركة انتقالية، فإن الملاحظ أن خصوصية الدلالة التركيبية تتوارى ولذلك يتساويان لأنهما يؤولان إلى محصلة واحدة، وهي الزوال أو الذهاب المجازي.

ويبدو أن حساسية النحويين تجاه النص القرآني قد أربكتهم في بعض الأحيان، نحس ذلك من تأسيسهم لرفض مقولة المبرد على أنه لا يمكن تصور ذهاب الله مع سمعهم وأبصارهم، ثم مرة أخرى في محاولة تخريج الآية عند ابن عصفور حيث سلك بذلك مسلكين أحدهما تحويل طريق الإسناد والثاني الاستعانة بطريقة (أهل السنة والجماعة) الذين يثبتون لله صفاته على نحو يليق به خروجًا من مشابهة الخالق للمخلوق. وإذا كنا قد نجد لهم عذرًا فإنا لا نجد لابن عصفور وغيره من النحويين من عذر حينما يحصرون اللغة في مأزل من التعبير الحقيقي دون أن ينظروا إلى إمكاناتها المتجددة المعتمدة على المجاز، أما بالنسبة للقرآن فمن العجيب أن يكون الاستعمال المجازي فيه مشكلًا عندهم؛ ذلك أن القرآن نَزل باللغة العربية، وهذا يعني أنه يعبر بها بكل ما فيها من إمكانات مجازية وحقيقية وبكل ما فيها من ألفاظ أصلية أو دخيلة، وبكل ما تحتويه من مفاهيم ودلالات. وليس أعجب من هؤلاء إلا الذين يريدون تطويع هذا النص لمفاهيم عصرية لم تكن واردة في ذلك الوقت، فبرغم ما نكتشفه من حقائق علمية سيظلّ التصور الإنساني اليومي هو المنبع الذي تستقي منه اللغة. ولو أن القرآن فجأ القوم بلغة ذات مفاهيم غريبة كل الغرابة عنهم لتعذر عليهم الفهم. والذي نريد الانتهاء إليه أنه في الاستعمال الحقيقي للأفعال، يكون هناك اختلاف واضح بين التعدية بالهمزة والتعدية بالحرف، وفي الاستعمال المجازي يستعملان لأداء معنى واحد وإن يكن كل تركيب يلقى ظلالًا، مستمدًا من أصله، على المعنى. وربما لذلك حصر الرضي هذا اللون من الأداء بالباء وحدهاا مع بعض الأفعال، حيث نجده يقرر أنه لا يفيد شيء من حروف الفعل معنى الفعل إلا الباء وذلك أيضًا في بعض المواضع، نحو ذهبت بزيد بخلاف مررت به [1] . وهذا يعني أن مررت به لا يعني أمررته خلافًا لما ورد عند ابن بابشاذ [2] .

ونأتي بعد هذا إلى قضية يثيرها تعاقب الهمزة والباء وهي قضية خلافية يذهب فيها الجمهور إلى عدم جواز الجمع بين الهمزة والباء، قال الفراء:"ومن شأن العرب أن تقول:"

(1) الرضي، شرح الكافية، 2: 274.

(2) ابن بابشاذ، شرح المقدمة المحسبة، ص 368 - 369.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت