الصفحة 50 من 75

أفعالًا أخرى [1] .

ولكن لماذا الحذف؟ يقول السهيلي في الكلام على تعدية الفعل (اختار) بحذف الحرف في مثل: اخترت الرجال زيدًا"والأصل في هذا التعدي بحرف الجر وهو (من) لأن المعنى إخراج شيء من شيء، وإنما حذف لتضمن الفعل معنى فعل آخر متعد، كأنك حين قلت: اخترت الرجال أردت نخلت الرجالل ونقدتهم فأخذت منهم زيدًا، فمن ههنا أسقط حرف الجر كما أسقط حرف الجر في (أمرتك الخير) إذا كان تكليفًا كأنك قلت كلفتك هذا الأمر" [2] .

وقبل أن نغادر هذه القضية يجب أن نسجل بعض الملاحظات التي نراها مهمة:

1 -إن الشروط التي ذكرها النحويون تمثل نوعًا من التحكم في ظاهرة متصلة بالجانب الإبداعي والخَلْقيّ من اللغة، وحيلولة دون تغير اللغة حسب احتياجها.

2 -القول بحذف حرف الجر ليس إلا تفسيرًا لورود بعض الأفعال متعدية بدون حرف الجر، فهو تفسير للظاهرة ولكنه ليس قانونًا لغويًّا.

3 -هناك فرق بين الضمائم من الأفعال وحروف الجر، فالضميمة (رغب في) هي في ظني أساسية أما (رغب عن) فهي فرعية تكونت من الفعل (رغب) و (عن) التي تتضام مع أفعال أخرى مثل انصرف، وصدّ، وابتعد، وانحرف، وكل ما فيه دلالة على الترك والمجاوزة، ولكنها تضامت مع الفعل (رغب) لتضاد المعنى الأول (رغب في) ، فإذا ورد الفعل بدون الحرف أحسب أنه ينصرف إلى الدلالة الأساسية القوية، فحين أقول: رغبت الشيء، فإن المعاني التي ترد إلى الذهن هي أردت الشيء وطلبت الشيء. ومما يستأنس به أن الاستعمال اللهجي قد أبقى على (رغب في) مستمرة وأهمل (رغب عن) ثم استعمل (رغب) بدون حرف.

ومثل هذا يقال عن المثال الذي منع السهيلي الحذف فيه وهو (نهيتك عن الشر) فلو أن المثال استعمل على: نهيتك الشر، لم نستغرب هذا؛ لأن هناك تضامًا قويًّا بين (نهى) و (عن) وبسبب هذا تكون الدلالة مع الحرف متضمنة حتى بعد حذفه، لأن النهي لا يكون إلا عن شيء.

4 -ماذا نقبل من الحذف، وماذا نرد؟ والإجابة عن ذلك صعبة، ولكن يمكن القول إن ما

(1) السيوطي، همع الهوامع، 5: 18.

(2) السهيلي، نتائج الفكر، ص 330.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت