على نحو ما يتعدى فعل مثل (ضرب) أما إذا أردتهما قلبيين أي بمعنى (علم) فإنهما يتعديان إلى مفعولين ومن أجل ذلك ساغ للأعمى أن يقول: رأيت زيدًا الصالح، والفعل (علم) أيضًا قد يعني المعرفة فقط مثل الفعل (عرف) ولذا يتعدى إلى واحد ومن ذلك قوله تعالى {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ?لَّذِينَ ?عْتَدَوا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} [65 - البقرة] . وقال سبحانه {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ?لله يَعْلَمُهُمْ} [60 - الأنفال] ، فهي ههنا بمنْزلة عرفت [1] . من ذلك الفعل (دعا) فهو يستعمل متعديًا إلى واحد إذا أريد الدلالة على الدعوة إلى أمر ولكنه يتعدى إلى اثنين إذا استعملته استعمال الفعل (سمّى) فتقول: دعوته عبدالله، والأصل في هذا الفعل تعديه إلى المفعول الأول بنفسه تعديًا مباشرًا، وإلى الثاني بوساطة من حرف الجر وهو الباء (دعوته بعبد الله) ثم حذف الحرف ونصب الاسم [2] .
يفهم إذن أن عدد المفعولات مرهون بما يقتضيه الفعل من ذلك، فالمتعدي إلى واحد إنما تعدى إلى واحد"لأن معناه لا يقتضي إلا واحدًا، ألا ترى أن الإبصار يقتضي مبصرًا، والشم يقتضي مشمومًا والذوق يقتضي مذوقًا ..." [3] .
ولا تنتهي العلاقة بين الفعل والمفعول عند عدد المفعول بل تمتد إلى نوع المفعول، فما يتعدى إلى مفعول قد لا يتعدى إلى آخر، فالفعل (سمع) إنما يتعدى إلى مسموع،"ولما اقتضى مسموعًا لم يجز أن يقال سمعت زيدًا؛ لأن زيدًا ليس مما يسمع، فتحتاج أن تقول سمعت قراءة زيد لأن القراءة مسموعة" [4] .
أما قوله تعالى {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} [72 - الشعراء] فقد عدّاه إلى الكاف والميم التي هي للمخاطبين وليسوا بمسموعين ففيه وجهان:
الأول: حذف مضاف هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون.
والثاني: أن الظرف من (إذ تدعون) لما كان مضافًا إلى تدعون كان فيه ما يسد ذلك المسد من المفعول المسموع. أما قوله تعالى {إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا ?سْتَجَابُوا لَكُمْ} [14 - فاطر] فلا إشكال فيه لأن مفعول (لا يسمعوا) هو دعاءكم ومفعول (لو سمعوا) محذوف: لو
(1) سيبويه، الكتاب، 1: 40.
(2) ابن السراج، الأصول في النحو، 1: 213.
(3) ابن بابشاذ، شرح المقدمة المحسبة، ص 366.
(4) ابن بابشاذ، شرح المقدمة المحسبة، ص 366.