والمعنى واحد. وذا هاهنا بمنْزلة حزِن وحزنته في فعلت، وكذلك بيّن وبيَّنته" [1] . ورصد ابن جني هذه الظاهرة في الخصائص وحاول تعليلها، وقال ابن جني:"وهذا الباب الذي نحن فيه ليس بلفظ تبع لفظًا، بل هو قائم برأسه. وذلك قولهم: غاض الماءُ وغضته سوّوا بين المتعدي وغير المتعدي" [2] ، ثم أورد طائفة من الأفعال ثم حاول التعليل فقال"فهذا كله شاذّ عن القياس وإن كان مطردًا في الاستعمال، إلاّ أن له عندي وجهًا لأجله جاز. وهو أنَّ كل فاعل غير القديم سبحانه فإنما الفعل منه شيء أعيره وأ'طيه وأقدر عليه، فهو وإن كان فاعلًا فإنما لمّا كان معانًا مقدرًا صار كأن فعله لغيره ... فلما كان قولهم غاض الماءُ أن غيره أغاضه وإن جرى لفظ الفعل له، تجاوزت العرب ذلك إلى أن أظهرت هناك فعلًا بلفظ الأول متعديًا؛ لأنه قد كان فاعله في وقت فعله إياه إنما هو مشاء إليه أو معان عليه. فخرج اللفظان لما ذكرنا خروجًا واحدًا فاعرفه" [3] ."
وعلى ما يتسم به تفسير ابن جني من غموض فإنه لا يصلح تفسيرًا لطائفة أخرى من الأفعال، مثل: أضاءت النارُ وأضاءت غيرَها، فهذا المثال يختلف عن غاض الماءُ وغضت الماء. ولعل الرجوع إلى سبب واحد في تفسير هذه الظاهرة لا يغني. وقد رددنا مثل هذه الظاهرة إلى أكثر من سبب، منها حذف المفعول مع الأفعال التي تشبه الأفعال الانعكاسية في وظيفتها، ومنها الاستخدام اللهجي الذي يفضل استعمال الصيغة غير المهموزة، فيستعمل الصيغة المجردة متعدية مقابل استعمال لهجي آخر يستعمل الصيغة المزيدة التي تدل زيادتها على التعدي. ومن هذه الأسباب أيضًا حذف حرف الجر فيتعدى الفعل بنفسه. ومن هذا التغير الدلالي الذي يجعل فعلًا مثل (كفر) المتعدي بنفسه فعلًا متعديًا بحرف جر حينما يعني الكفر المقابل للإيمان [4] .
وهذه الطائفة من الأفعال لم تثر جدلًا بين النحويين ظاهرًا بخلاف الطائفة الأخرى، وهي التي رأى النحويون أنها تجيء تارة متعدية بنفسها وبحرف جرّ تارة أخرى، ولذلك جعلت قسمًا برأسه قال ابن عصفور:"وإنما جعل هذا قسمًا برأسه، ولم يجعل من القسمين لأنه قد وجد الفعل يصل تارة بنفسه، وتارة بحرف جرّ، ولم يستعمل أحدهما أكثر من الآخر" [5] .
وهذه الأفعال مثل: شكرته وشكرت له، ونصحته ونصحت له. ذكر ابن بايشاذ أن هذا اللون من استعمال موقوف على السماع وأن فيه مذهبين؛ الأول: أن الأصل فيها تعديها بحروف الجر ثم حذف
(1) سيبويه، الكتاب، 4: 63.
(2) ابن جني، الخصائص، 2: 210.
(3) ابن جني، الخصائص، 2: 313.
(4) أبوأوس إبراهيم الشمسان، الفعل في القرآن الكريم: تعديته ولزومه، ص 633، وما بعدها.
(5) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 300.