يتعدى إليه" [1] . ويبدو أن الجرجاني قد تابع ابن درستويه في مذهبه فهو يرد وَزَنْته وكِلْته إلى وزنتُ له وكلتُ له، وفي قوله تعالى {وَإِذَا كَلُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ} [3 - المطففين] قال"والمعنى كالوا لهم أو وزنوا لهم، ولم يذكر المكيل والموزون" [2] . ولكن حذف حرف الجر قد يكون له وظيفة دلالية تتعدى طلب الاختصار أو الاقتصاد في القول، وهذا ما أشار إليه الجرجاني أيضًا في قوله"وأما قولهم كسبته كذا، فهذه المنْزلة من حيث أن الأصل كسبت له، ولكن بينه وبين ما مضى فرقًا وهو أنه إذا حذف منه اللام له معنى لا يكون مع اللام، تقول كسبت زيدًا مالًا، فيكون المكسوب أخص به منه إذا قلت كسبت لزيدٍ مالًا، ألا ترى أنك قد تقول: كسبت له مالًا بمعنى أن المال لك وفي حكمك، لكنك كسبته لأجله حتى ينتفع به أو تنفقه عليه، كقولهم فلان يكسب المال لأطفاله، مثل يجمع لهم وليس كذلك كسبته مالًا؛ لأنه يدل على أن المال له وفي حكمه" [3] . وممن تابع ابن درستويه أيضًا السهيلي الذي أسهب في الكلام على هذه الأفعال، قال"أصل هذا الفعل أن كل فعل يقتضي مفعولًا ويطلبه، فلا يصل إلى ما بعده إلا بحرف الجر ثم قد يحذف المفعول لعلم السامع به ويبقى المجرور. وربما تضمن الفعل معنى فعل آخر متعد بغير حرف، فيسقط حرف الجر من أجله. وربما كان الفعل يتعدى بغير حرف وفي ضمن الكلام ما يطلب الحرف، فيدخل الحرف من أجله" [4] . ثم ضرب مثالًا للحالة الأولى، فقال:"فالأول نحو (نصحت لزيدٍ) و (شكرت له) و (كِلتُ له) المفعول في هذا كله محذوف والفعل واصل إلى ما بعده بحرف" [5] ، ثم فصل القول على (نصح) فقال:"لأن (نصحت) مأخوذ من قولك (نصح الخائط الثوبَ) إذا أصلحه وضم بعضه إلى بعض ثم استعير في الرأي، فقالوا: نصحت له رأيَه. والتوبة النصوح إنما هي لما تخرمه من الدين كنصح الثوب، ولكنهم يقولون: نصحت زيدًا فيسقطون الحرف؛ لأن النصيحة متضمنة للإرشاد، فكأنهم قالوا: (أرشدت زيدًا) [6] . فالسهيلي إذن يبين المراحل التي مرّ بها الفعل (نصح) ، وهي:
نصحت لزيد رأيه (بحذف المفعول) ? نصحت لزيد (بحذف الجار) ? نصحت زيدًا
ومثله الفعل (شكر) :
شكرت لزيد فعلَه (بحذف المفعول) ? شكرت لزيد (بحذف الجار) ? شكرت زيدًا
أما كلت لزيد ووزنت له فمفعولهما غير (زيد) لأن مطلوبهما ما يُكال أو يُوزن، فالأصل دخول اللام ثم قد تحذف لتضمن معنى المبايعة والمعارضة، فإنك إذا قلت: كلت لزيد، أخبرت بكيل الطعام. وإذا قلت: كلت زيدًا، أخبرت مع الكيل بمعاملة ومبايعة، كأنك قلت: بايعت زيدًا بالكيل، أما قولهم (سمع الله لمن حمده) فمفعوله محذوف؛ لأنه قول واللام على بابها وتؤذن بمعنى زائد وهو الاستجابة المقارنة للسمع [7] ، وهذا مثل قوله تعالى {عَسَى أَنْ يَكُونَ ردِف لَكُمْ} [72 - النمل] ليست اللام لام المفعول، كما زعموا ولا هي زائدة ولكن (ردِف) فعل متعدٍ ومفعوله غير هذا الاسم كما كان مفعول سمع غير المجرور ومعنى ردف تبع وجاء على الأثر فلو حمل مع المجرور لكان المعنى غير صحيح ولكن المعنى: ردف لكم استعجالكم وقولكم؛ لأنهم قالوا (متى هذا الوعد) ثم حذف المفعول الذي هو القول والاستعجال اتكالًا على فهم السامع، ودلت اللام على الحذف لمنعها الاسم الذي دخلت عليه أن يكون مفعولًا أذنت بفائدة أخرى وهي (عجل لكم) [8] . ولكن هذه النظرة لم تجد هوًى متأخري النحويين، فهذا ابن عصفور يذكر قول ابن دُرستويهِ ويرده بقوله"وهذا فاسد لأنه دعوى لا دليل عليها، ولو كان كما ذهب إليه لسمع في موضع من المواضع: نصحت لزيد رأيه، فتوصل نصحت إلى منصوب بعد المجرور فإذا لم يسمع ذلك دليل على فساده" [9] . وأيّد القول الذي يذهب إلى أن أصل الفعل (نصح) أن يتعدى باللام ثم حذف الحرف وكثر فيه الأصل والفرع، والسبب أن النصح لا يحل بزيد، أما إذا كان الفعل يحل بالمفعول مثل (مسحت رأسي، ومسحت برأسي) فحرف الجر زائد [10] . ويستند هذا القول إلى أنه لا يتصور أن يوجد فعل تارة يتعدى بنفسه وتارة بحرف جر؛ لأنه محال أن يكون قويًّا ضعيفًا في حال واحدة، ولا المفعول محلًا للفعل وغير محل للفعل في حين واحد، وصحح ابن عصفور هذه الملاحظة، وعلى هذا فإنه عند تساوي الاستعمال في الفعل متعديًا بنفسه ومتعديًا بحرف فإن كل واحد منهما أصل بنفسه [11] .
وقد يكون من أسباب تعدي الفعل التغير الوظيفي والدلالي للفعل، ومثال ذلك ما ذكره السيرافي من أن قول العرب"ما جاءت حاجتك"أنهم أجروها مجرى صارت. وجعلوا لها اسمًا وخبرًا، كما كان ذلك في باب (كان وأخواتها) ، فجعلوا (ما) مبتدأ وجعلوا في (جاءت) ضمير (ما) ، وجعلوا ذلك الضمير اسم (جاءت) وجعلوا (حاجتك) خبر (جاءت) فصار بمنْزلة: هند كانت أختَك، وأنثوا (جاءت) لتأنيث معنى
(1) ابن درستويه، تصحيح الفصيح، 1: 331.
(2) الجرجاني، المقتصد، 1: 616.
(3) الجرجاني، المقتصد، 1: 616.
(4) السهيلي، نتائج الفكر، ص 352.
(5) السهيلي، نتائج الفكر، ص 352.
(6) السهيلي، نتائج الفكر، ص 352.
(7) السهيلي، نتائج الفكر، ص 353.
(8) السهيلي، نتائج الفكر، ص 354.
(9) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 301.
(10) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 300 - 301.
(11) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 300.