الصفحة 72 من 75

لازم [1] .

5 -ذكر ابن بابشاذ أن الأصل في الفعل أن يبنى للفاعل ولكنه يعدل به إلى البناء للمفعول لخمسة أسباب: للمخافة من ذكر الفاعل ولجلالته ولخساسته وللجهالة به وللاختصار والإيجاز [2] . وبلغت عند ابن عصفور ثمانية أسباب، فذكر أن الفاعل يحذف للعلم به نحو: أُنزِل المطر، فمُنْزله معروف، وللجهل به، نحو: ضُرِبَ اللص، لم تذكر القاضي مع اللص، ولتحقيره نحو: طُعِن عُمَرُ، حقرت طاعنه فحذفته فلم تذكره مع عمرَ، لإبهامه نحو: ضرِب زيدٌ، للخوف منه أو عليه، نحو: ضُرِب الأميرُ أو لإقامة الوزن أو اتفاق القافية، نحو قول ذي الرمة:

وَأَدرَكَ المُتَبَقِّي مِن ثَميلَتِهِ ... وَمِن ثَمائِلِها وَاِستُنشِئَ الغَرَبُ

ولتقارب الأسجاع، ومثل لذلك ابن عصفور بقوله:"ونبذت الصنائع وجهل قدر المعروف" [3] ، ومثال توافق حركات الحروف الأخيرة في السجع: من حسن عمله، عرف فضله [4] .

5 -لما حذف الفاعل وأقيم المفعول مقامه وجب أن تكون المفعولات أنقص رتبة مما يتعدى إليه الفعل المتعدي [5] ، ولذلك قال سيبويه في المبني للمفعول من المتعدي إلى ثلاثة"لما كان الفاعل يتعدى إلى ثلاثة تعدى المفعول إلى اثنين" [6] ، وعلى هذا يصير المتعدي إلى واحد بعد البناء للمفعول لازمًا، والمتعدي إلى اثنين متعديًا إلى واحد، والمتعدي إلى ثلاثة متعديًا إلى اثنين [7] .

وعلى الرغم من تقهقر هذه المفعولات ونقصانها فإن الفعل مثل (ضُرب زيدٌ) لا يأخذ مفعولًا ومثل (كُسِيَ زيدٌ ثوبًا) لا يتعدى إلى مفعول ثان؛ لأن نائب الفاعل لفظه لفظ الفاعل ومعناه معنى المفعول [8] . ويتعدى الفعل المبني للمفعول إلى كل ما يتعدى إليه الفعل اللازم [9] .

6 -وقسم ابن عصفور الأفعال بالنسبة للبناء للمفعول ثلاثة أقسام:

1)قسم اتفق على أنه لا يجوز بناؤه للمفعول، وهو الجامد، نحو: نِعْمَ، بِئْسَ، عَسَى، فعل التعجب، ليس، حبّذا.

2)قسم مختلف فيه، وهو (كان وأخواتها) .

3)قسم اتفق النحويون على جواز بنائه للمفعول وهو ما بقي من الأفعال المتصرفة [10] .

وعلل لعدم بناء الجامدة أن هذا النوع من التصرف؛ وهي ممنوعة من التصرف، أما كان، فقد أجاز الفراء ذلك معها وردّه ابن عصفور بأن الخبر يبقى بلا مخبر عنه لا لفظًا ولا تقديرًا [11] . ومذهب السيرافي حذف الاسم والخبر وإقام ضمير المصدر مقام المحذوف. وردّه ابن عصفور بأن كان الناقصة لا مصدر لها وذكر أن الفارسي منع من بنائها لما رأى من فساد ما ذكره الفراء والسيرافي [12] ، وكان ابن السراج يمنع بناءها أيضًا قال:"وهذا عندي لا يجوز من قبل أن كان فعل غير حقيقي، وإنما يدخل على المبتدأ والخبر فالفاعل فيه غير فاعل في الحقيقة، والمفعول غير مفعول على الصحة فليس فيه مفعول، يقوم مقام الفاعل لأنهما غير متغايرين إذ كان إلى شيء واحد؛ لأن الثاني هو الأول في المعنى" [13] .

قال ابن عصفور:"والصحيح أنه يجوز بناؤها للمفعول، وهو مذهب سيبويه، لكن لابد من أن يكون في الكلام ظرف أو مجرور يقام مقام المحذوف، فتقول كين في الدار، فالأصل كان زيدًا قائمًا في الدار، على أن يكون في الدار متعلقًا بكان، حذف المرفوع لشبهه بالفاعل وحذف بحذفه الخبر، إذ لا يجوز بقاء الخبر دون مخبر عنه ثمّ أقيم المجرور مُقام المحذوف" [14] . ولعله بهذا يعود إلى قول الكسائي السابق.

أما الأفعال المتصرفة الأخرى فكل ما يتعدى منها يجوز أن يبنى للمفعول، أما اللازم فقد أثار جدلًا بين النحويين، فبناؤه قضية خلافية، فذكر الزجاجي أن الفعل اللازم لا يجوز ردّه إلى ما لم يسم فاعله عند أكثر النحويين [15] ، أما عللُ من لا يجيز بناء اللازم للمفعول فمنها أنه ليس معه مفعول يقوم مقام الفاعل [16] ، و"لئلا يكون الفعل حديثًا عن غير محدث عنه، وذلك نحو: قام زيد، وقعد عمرو، لا تقول:"

(1) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 540.

(2) ابن بابشاذ، شرح المقدمة المحسبة، ص 370.

(3) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 543. والملاحظ أنه ليس في هذا سجع. وعلق محقق الكتاب في (ح 2) : يريد بالسجع هنا المزاوجة.

(4) عباس حسن، النحو الوافي، 2: 96، ح 2.

(5) ابن بابشاذ، شرح المقدمة المحسبة، ص 370.

(6) سيبويه، الكتاب، 1: 43.

(7) ابن السراج، الأصول في النحو، 1: 87.

(8) سيبويه، الكتاب، 1: 42 - 43.

(9) سيبويه، الكتاب، 1: 42، 43.

(10) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 535.

(11) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 535.

(12) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 535.

(13) ابن السراج، الأصول في النحو، 1: 91 - 92.

(14) ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، 1: 535.

(15) ابن السيد البطليوسي، الحلل، ص 208.

(16) ابن السراج، الأصول في النحو، 1: 86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت