الصفحة 73 من 75

قِيم ولا قُعِد" [1] إلا أن يتعدى الفعل بحرف جرّ فإنه يجوز [2] ."

وذكر الزجاجي أن سيبويه يذهب إلى إضمار المصدر مع الأفعال اللازمة، ورد ابن السيد هذا بأنه غير مشهور عنه، وأن أبا جعفر النحاس أنكره في (المقنع) وقال هذا القول غلط على سيبويه [3] . والحق أن الذي يجيز إضمار المصدر هو المبرد، قال:"فمن ذلك أنك إذا قلت: سير بزيد فرسخًا-أضمرت السير، لأن (سير) يدل على السير، فلم تحتج إلى ذكره معه" [4] .

وجاء في الحلل لابن السيد أن النحاس ذكر أن الفراء والكسائي وهشامًا أجازوه، وزعم الكسائي وهشام أن في (جلس) مجهولًا مضمرًا. وفسر ثعلب قولهما بأنه لما حذف الفاعل أسند الفعل إلى أحد ما يعمل فيه مما هو سوى المفعول به، يعني المصدر أو الوقت أو المكان فلم يعلم أيها هو المقصود؛ لأنه لم يظهر مع الفعل مرفوع به [5] . وكان الفراء يزعم -في (جُلِسَ) - أن الفعل فارغ لا شيء فيه. قال أبوجعفر النحاس، فقيل له: وهل يخلو الفعل من الفاعل؟ فقال إذا شرطت إسقاط الفاعل وقلت لا تسمه، وجب أن لا يكون في الفعل ذكر إذ سقط فاعله. وكذلك يقول في ضُرب ضربًا إنه لا شيء مضمر في (ضُرِب) وكذلك (قُعِد قعودًا) تعدى أو لم يتعد، وكان الكسائس يعتقد أن هذا كله ضميرًا مجهولًا، والأشبه في هذا لمن أجازه أن يضمر مصدر الفعل فيقيمه مقام الفاعل المحذوف؛ لأن الفعل يدل على مصدره كما قال الزجاجي [6] .

أما زعم الفراء فخطأ، والحجة أن الفعل يدل على مصدره فلا فائدة في إضماره ولا إظهاره، ورد عليهم بأن النحويين أجازوا إقامة المصدر في المتعدية إذا عدم المفعول به وكان المصدر منعوتًا محدودًا أو معرفًا، وعليه فإنه يجوز إقامة المصدر مع اللازمة فلا فرق بينهما، يؤكد هذا أن الموجب لإقامته إنما هو عدم المفعول به، وهذه العلة موجودة في الأفعال اللازمة، واحتجوا بأن معنى (جلس زيد) فعل جلوسًا وأحدثه، ف مانع إذن من القول (فُعِلَ الجلوسُ) كما أن ضُرِبَ بزيد الضربُ معناه: فُعل بزيد الضربُ، وقالوا إن المفعول ليس يرتفع بأنه أوقع به الفعلُ، كما أن الفاعل في العربية ليس يرتفع بأنه أوقع شيئًا أو أحدثه، وإنما يرتفع كل واحد منهما بالحديث عنه وإسناد الفعل إليه، فيجب على هذا أن يرتفع كل ما أسند إليه أو حدث عنه من مصدر أو ظرف سواء كان الفعل متعديًا أو غير متعد ولا وجه للتفريق. وقالوا لو أن ملكًا

(1) ابن جني، اللمع، ص 24.

(2) ابن بابشاذ، المقدمة المحسبة، ص 370 - 371.

(3) ابن السيد البطليوسي، الحلل، ص 208.

(4) المبرد، المقتضب، 4: 51.

(5) ابن السيد البطليوسي، الحلل، ص 208.

(6) ابن السيد البطليوسي، الحلل، ص 209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت